وأمَّا أهل الحوانيت والأسواق، الَّذين يشترون من الجلابين وغيرهم جملة، ويبيعون ذلك على أيديهم مقطعًا، مثل اللحم والأدم والفواكه، فقيل: إنهم كالجلابين، لا يسعر لهم شيء من بياعاتهم، وإنَّما يقال لمن شذ منهم وخرج عن الجمهور: إمَّا أن تبيع كما يبيع النَّاس، وإمَّا أن ترفع من السوق، وهو قول مالك في هذه الرواية١.
وممَّن روي عنه ذلك من السلف: عبد الله بن عمر٢ والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله٣.
وقيل: إنَّهم في هذا بخلاف الجلابين، لا يتركون على البيع باختيارهم إذا أغلوا على النَّاس، ولم يقتنعوا٤ من الربح بما يشبه.
وعلى صاحب السوق الموكل بمصلحته أن يعرف ما يشترون به، فيجعل لهم من الربح ما يشبه، وينهاهم أن يزيدوا على ذلك، ويتفقد السوق أبدًا، فيمنعهم من الزيادة على الربح الَّذي جعل لهم، فمن
(١) انظر: المنتقى (٥/ ١٧)، الاستذكار (٢٠/ ٧٣).
(٢) انظر: المنتقى (٥/ ١٨)، تكملة المجموع الثانية (١٣/ ٣٤).
(٣) انظر: المنتقى (٥/ ١٨)، المعيار المعرب (٥/ ٨٥)، تكملة المجموع الثانية (١٣/ ٣٤). "والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله" لم يذكرهما ابن رشد في المطبوع من البيان والتحصيل.
(٤) في "أ" و"هـ": "يقنعوا".
خالف أمره عاقبه وأخرجه من السوق.
وهذا قول مالك١ في رواية أشهب٢، وإليه ذهب ابن حبيب٣، وقال به ابن المسيب ويحيى بن سعيد والليث وربيعة٤.
ولا يجوز عند أحدٍ من العلماء أن يقول لهم: لا تبيعوا إلَّا بكذا وكذا، ربحتم أو خسرتم، من غير أن ينظر إلى ما يشترون به، ولا أن يقول لهم فيما قد اشتروه: لا تبيعوه إلَّا بكذا وكذا، ممَّا هو مثل الثمن أو أقل.
وإذا ضرب لهم الربح على قدر ما يشترون لم يتركهم أن يغلوا في الشراء، وإن لم يزيدوا في الربح على القدر الَّذي حدَّ لهم، فإنهم قد يتساهلون في الشراء إذا علموا أنَّ الربح لا يفوتهم٥.
وأمَّا الشافعي٦، فإنَّه عارض ذلك بما رواه عن الدراوردي٧ عن داود بن صالح التمار عن القاسم بن محمد عن عمر ﵁: "أنَّه مر بحاطب بن أبي بلتعة بسوق المصلى، وبين يديه
(١) ولا يزال الكلام لابن رشد - رحمه الله تعالى -.
(٢) انظر: المعيار المعرب (٥/ ٨٥).
(٣) انظر: المعيار المعرب (٥/ ٨٥).
(٤) انظر: الاستذكار (٢٠/ ٧٦)، تكملة المجموع الثانية (١٣/ ٣٥).