غرارتان١ فيهما زبيب، فسأله عن سعرهما؛ فقال له٢: مدَّين لكل درهم، فقال له عمر: قد حُدِّثت بعير من الطائف تحمل زبيبًا، وهم يغترون٣ بسعرك، فإمَّا أن ترفع في السعر، وإمَّا أن تدخل زبيبك البيت، فتبيعه٤ كيف شئت، فلمَّا رجع عمر حاسب نفسه، ثمَّ أتى حاطبًا في داره، فقال: إنَّ الَّذي قلت لك ليس عزمة مني، ولا قضاء، إنَّما هو شيء أردت به الخير لأهل البلد، فحيث شئت فبع، وكيف شئت فبع"٥.
قال الشافعي٦: وهذا الحديث مستقصى٧، وليس بخلاف لما رواه مالك٨، ولكنَّه روى بعض الحديث، أو رواه عنه من رواه٩،
(١) في "ب": "غرابان". الغرارة: الجوالق الكبير. فقه اللغة (٢٨٥)، والجوالق هي الوعاء. مختار الصحاح (١٠٦).
(٢) عند البيهقي: "فسعر له".
(٣) في "أ" و"ب": "يعتبرون".
(٤) "فتبيعه" ساقطة من "هـ".
(٥) رواه الشافعي، مختصر المزني (٩/ ١٠٢)، والبيهقي (٦/ ٤٨)، وسعيد بن منصور كما أفاده ابن قدامة في المغني (٦/ ٣١٢). وانظر: كنز العمال (٤/ ١٨٣).
(٦) مختصر المزني (٩/ ١٠٢).
(٧) في "أ": "مستفيض".
(٨) يعني أثر حاطب الذي تقدم نصه أوَّل الفصل.
(٩) في مختصر المزني (٩/ ١٠٢)، والحاوي (٥/ ٤٠٩) "أو رواه من روى عنه" وبه يستقيم المعنى.
وهذا أتى بأوَّل الحديث وآخره، وبه أقول؛ لأنَّ النَّاس مسلطون على أموالهم، ليس لأحدٍ أن يأخذها أو شيئًا منها بغير طيب أنفسهم إلَّا في المواضع التي يلزمهم الأخذ فيها١، وهذا ليس منها٢.
وعلى قول مالك فقال أبو الوليد الباجي: الَّذي يؤمر به من حط عنه أن يلحق به هو السعر الذي عليه جمهور النَّاس، فإذا انفرد منهم الواحد والعدد اليسير بحط السعر أمروا باللحاق بسعر النَّاس، أو ترك البيع، فإن زاد في السعر واحد أو عدد يسير لم يؤمر الجمهور باللحاق بسعره؛ لأنَّ المراعى حال الجمهور٣، وبه تقوم المبيعات.
وهل يقام من زاد في السوق - أي في قدر المبيع بالدراهم - كما يقام من نقص منه؟
قال ابن القصار المالكي٤: اختلف أصحابنا في قول مالك: "ولكن من حط سعرًا"، فقال البغداديون٥: أراد من باع خمسة بدرهم، والنَّاس يبيعون ثمانية.
(٤) علي بن عمر بن أحمد البغدادي أبو الحسن المعروف بابن القصار القاضي شيخ المالكية، توفي سنة ٣٩٧ هـ - رحمه الله تعالى -. انظر: تاريخ بغداد (١٢/ ٤٠)، الديباج المذهب (٢/ ١٠٠)، سير أعلام النبلاء (١٧/ ١٠٨).