وهذا أتى بأوَّل الحديث وآخره، وبه أقول؛ لأنَّ النَّاس مسلطون على أموالهم، ليس لأحدٍ أن يأخذها أو شيئًا منها بغير طيب أنفسهم إلَّا في المواضع التي يلزمهم الأخذ فيها١، وهذا ليس منها٢.
وعلى قول مالك فقال أبو الوليد الباجي: الَّذي يؤمر به من حط عنه أن يلحق به هو السعر الذي عليه جمهور النَّاس، فإذا انفرد منهم الواحد والعدد اليسير بحط السعر أمروا باللحاق بسعر النَّاس، أو ترك البيع، فإن زاد في السعر واحد أو عدد يسير لم يؤمر الجمهور باللحاق بسعره؛ لأنَّ المراعى حال الجمهور٣، وبه تقوم المبيعات.
وهل يقام من زاد في السوق - أي في قدر المبيع بالدراهم - كما يقام من نقص منه؟
قال ابن القصار المالكي٤: اختلف أصحابنا في قول مالك: "ولكن من حط سعرًا"، فقال البغداديون٥: أراد من باع خمسة بدرهم، والنَّاس يبيعون ثمانية.
(٤) علي بن عمر بن أحمد البغدادي أبو الحسن المعروف بابن القصار القاضي شيخ المالكية، توفي سنة ٣٩٧ هـ - رحمه الله تعالى -. انظر: تاريخ بغداد (١٢/ ٤٠)، الديباج المذهب (٢/ ١٠٠)، سير أعلام النبلاء (١٧/ ١٠٨).
(٥) انظر: المعونة (٢/ ١٠٣٥).
وقال قوم من البصريين١: أراد من باع ثمانية، والنَّاس يبيعون خمسة، فيفسد على أهل السوق بيعهم، وربما أدَّى إلى الشغب والخصومة.
قال: وعندي أنَّ الأمرين جميعًا ممنوعان؛ لأنَّ من باع ثمانية - والنَّاس يبيعون خمسة - أفسد على أهل السوق بيعهم، وربما أدَّى إلى الشغب والخصومة، فمنع الجميع مصلحة.
قال أبو الوليد٢: ولا خلاف أنَّ ذلك حكم أهل السوق.
وأمَّا الجالب ففي كتاب محمد٣: لا يمنع الجالب أن يبيع في السوق دون بيع النَّاس، وقال ابن حبيب: ما عدا القمح والشعير بسعر النَّاس وإلَّا رفعوا، وأمَّا جالب القمح والشعير فيبيع كيف شاء، إلَّا أنَّ لهم في أنفسهم حكم أهل السوق، إن أرخص بعضهم٤ تركوا، وإن أرخص أكثرهم قيل لمن بقي: إمَّا أن تبيعوا كبيعهم، وإمَّا أن ترفعوا٥.
قال ابن حبيب: وهذا٦ في المكيل والموزون، مأكولًا كان أو
(١) في الحسبة (٩١): "المصريين".
(٢) الباجي. المنتقى (٥/ ١٧).
(٣) محمد بن سحنون بن سعيد بن حبيب التنوخي أبو عبد الله من كبار علماء المالكية، توفي سنة ٢٥٥ هـ ﵀ تعالى. انظر: ترتيب المدارك (٣/ ١٠٤)، وشجرة النور (٦٠).