وأمَّا صفة ذلك عند من جوَّزه٢، فقال ابن حبيب٣: ينبغي للإمام أن يجمع وجوه أهل سوق ذلك الشيء، ويحضر غيرهم، استظهارًا على صدقهم، فيسألهم: كيفَ يشترون؟ وكيف يبيعون؟ فينازلهم إلى ما فيه لهم وللعامة سداد، حتَّى يرضوا به، ولا يجبرهم٤ على التسعير، ولكن عن رضى.
قال أبو الوليد٥: ووجه هذا: أن به يتوصل إلى معرفة مصالح البائعين والمشترين، ويجعل للباعة في ذلك من الربح ما يقوم بهم، ولا يكون فيه إجحافٌ بالنَّاس، وإذا سعَّر عليهم من غير رضا، بما لا ربح لهم فيه، أدَّى ذلك إلى فساد الأسعار، وإخفاء الأقوات، وإتلاف أموال النَّاس.
قال شيخنا١: فهذا الَّذي تنازعوا فيه، وأمَّا إذا امتنع النَّاسُ من بيع ما يجب عليهم بيعه فهنا يؤمرون بالواجب، ويعاقبون على تركه، وكذلك كل من وجبَ عليه أن يبيع بثمن المثل فامتنع.
ومن احتجَّ على منع التسعير مطلقًا بقول النبي ﷺ: "إنَّ اللهَ هُوَ المُسَعَّرُ القَابِضُ البَاسِط، وَإِنَّي لأَرْجُو أَنْ أَلْقَى اللهَ تعَالَى وَلَيْسَ أَحَدٌ يَطْلُبُني بمَظْلَمَةٍ فِي دَمٍ وَلَا مَالٍ"٢ قيل له: هذه قضيةٌ معينة، ليست لفظًا عامًّا، وليس فيها أنَّ أحدًا امتنع من بيع ما النَّاس يحتاجون إليه، ومعلومٌ أنَّ٣ الشيء إذا قلَّ رغب النَّاسُ في المزايدة فيه، فإذا بذله صاحبه كما جرت به العادة، ولكنَّ النَّاس تزايدوا فيه فهنا لا يسعر عليهم.
وقد ثبتَ في "الصحيحين"٤: أنَّ النبي ﷺ منع من الزيادة على ثمن المثل في عتق الحصة من العبد المشترك، فقال ﷺ: "مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عبْدٍ - وَكَانَ لَهُ مِنَ المَالِ٥ مَا يَبْلُغُ ثَمَنَ العَبْدِ - قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيْمَةَ عَدْلٍ، لا وَكْس٦ ولَا شَطَط"٧، فأعطى شركاءه حصصهم،
(١) الحسبة (٩٣).
(٢) تقدم تخريجه ص (٦٣٩).
(٣) "فيها أن أحدًا امتنع من بيع ما النَّاس يحتاجون إليه، ومعلوم أنَّ" ساقطة من "ب".
(٤) البخاري رقم (٢٥٢٢) (٥/ ١٧٩)، ومسلم رقم (١٥٠١) (١٠/ ٣٨٩) من حديث ابن عمر ﵄.
(٥) "من المال" ساقطة من "د" و"و".
(٦) الوكس: بفتح الواو وسكون الكاف: النقص، فتح الباري (٥/ ١٨٢)، النهاية (٥/ ٢١٩)، المجموع المغيث (٣/ ٤٤٥).
(٧) الشطط: الجور. الفتح (٥/ ١٨٢)، النهاية (٢/ ٤٧٥)، المجموع المغيث =