بعوض المثل، لمصلحة تكميل العتق، ولم يُمَكِّن المالك من المطالبة بالزيادة على القيمة، فكيف إذا كانت الحاجة بالنَّاس إلى التملك أعظم، وهم إليها أضر؟ مثل حاجة المضطر إلى الطعام والشراب واللباس وغيره.
وهذا الَّذي أمر به النبي ﷺ من تقويم الجميع قيمة المثل هو حقيقة التسعير، وكذلك سلط١ الشريك على انتزاع الشقص المشفوع من يد المشتري بثمنه الَّذي ابتاعه به لا بزيادة عليه، لأجل مصلحة التكميل لواحد، فكيف بما هو أعظم من ذلك؟ فإذا جوز له انتزاعه منه بالثمن الَّذي وقع عليه العقد، لا بما شاء المشتري من الثمن، لأجل هذه المصلحة الجزئية، فكيف إذا اضطر إلى ما عنده من طعام وشراب ولباس وآلة حرب؟ وكذلك إذا اضطر الحاج إلى ما عند النَّاس من آلات السفر وغيرها، فعلى ولي الأمر أن يجبرهم على ذلك بثمن المثل، لا بما يريدونه من الثمن، وحديث العتق أصلٌ في ذلك كله٢.
فصل
فإذا قُدِّرَ أنَّ قومًا اضطروا إلى السكنى٣ في بيت إنسان، لا يجدون سواه، أو النزول في خان مملوك، أو استعارة ثياب يستدفئون بها، أو رحى للطحن، أو دلو لنزع الماء، أو قدر، أو فأس، أو غير ذلك،
وجب على صاحبه بذله بلا نزاع، لكن هل له أن يأخذ عليه أجرًا؟ فيه قولان للعلماء، وهما وجهان لأصحاب أحمد١.
ومن جوَّز له أخذ الأجرة حرم عليه أن يطلب زيادة على أجرة المثل.
قال شيخنا٢﵁: والصحيح أنَّه يجب عليه بذل ذلك مجانًا، كما دلَّ عليه الكتاب والسنَّة، قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ ٤ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ ٥ الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ ٦ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ٧﴾[الماعون: ٤ - ٧] قال ابن مسعود وابن عباس وغيرهما من الصحابة: "هو إعارة القدر والدلو والفأس ونحوهم"٣.
(١) الحسبة (٩٩)، الإنصاف (٢٧/ ٢٤٩)، إعلام الموقعين (٣/ ١٦)، قواعد ابن رجب (٢/ ٣٩٠)، الاختيارات (١٥٩)، تحفة المحتاج (٩/ ٣٩٥)، فتوحات الوهاب (٥/ ٢٧٧)، المبدع (٩/ ٢٠٩)، دليل الطالب (١/ ٣٢٠) مجموع الفتاوى (٢٩/ ١٨٦)، روضة الطالبين (٣/ ٢٨٦)، المجموع (٩/ ٤١).
(٢) الحسبة (٩٩)، الاختيارات (١٥٩)، وانظر: الإنصاف (٢٧/ ٢٤٩)، قواعد ابن رجب (٢/ ٣٩١).
(٣) رواه عن ابن مسعود ﵁ النسائي في الكبرى (٦/ ٥٢٢)، وأبو داود (١٦٥٧)، والبيهقي (٦/ ١٤٥)، وابن أبي شيبة (٢/ ٤٢٠)، والطبراني في المعجم الكبير (٩/ ٢٠٧)، والشاشي في مسنده (٢/ ٦٠)، ولم يرد ذكر الفأس إلَّا في رواية الطبراني، قال الحافظ ابن حجر: "أخرجه أبو داود والنسائي عن ابن مسعود وإسناده صحيح". فتح الباري (٨/ ٦٠٣)، أمَّا أثر ابن عباس ﵁ فلم أجده باللفظ الَّذي ذكره المؤلَّف، بل رواه ابن جرير (١٢/ ٧١٠)، والبيهقي (٩/ ١٤٥)، وابن أبي شيبة (٢/ ٤٢٠) بلفظ: "هو متاع البيت".