أوجه في مذهب أحمد١، أحدها: أنَّه لا يجوز مطلقًا٢، والثاني: أنَّه يجوز عند الحاجة، والثالث: أنَّه لا يجوز٣ إلَّا أن يتعين عليه، والرَّابع: أنَّه يجوز، فإن أخذه عند التحمل لم يأخذه عند الأداء.
والمقصود أنَّ ما قدره النبي ﷺ من الثمن في سراية العتق هو لأجل تكميل الحرية، وهو حق الله تعالى، وما احتاج إليه النَّاس حاجة عامة، فالحق فيه لله، وذلك في الحقوق والحدود.
فأمَّا الحقوق، فمثل حقوق المساجد، ومال الفيء، والوقف على أهل الحاجات، وأموال الصدقات، والمنافع العامة.
وأمَّا الحدود، فمثل حد المحاربة والسرقة والزنا وشرب الخمر المسكر.
وحاجة المسلمين إلى الطعام واللباس وغير ذلك مصلحة عامة، ليس الحق فيها لواحدٍ بعينه، فتقدير الثمن فيها بثمن المثل على من وجب عليه البيع أولى من تقديره لتكميل الحرية، لكن تكميل الحرية
وجب على الشريك المعتِق، ولو لم يقدر فيها١ الثمن لتضرر بطلب الشريك الآخر، فإنَّه يطلب ما شاء، وهنا عموم النَّاس يشترون الطعام٢ والثياب لأنفسهم وغيرهم، فلو مكن من عنده سلع يحتاج النَّاس إليها أن يبيع بما شاء كان ضرر النَّاس أعظم، ولهذا قال الفقهاء: اذا اضطر الإنسان إلى طعام الغير، وجب عليه بذله له٣ بثمن المثل٤.
وأبعد الأئمة عن إيجاب المعاوضة وتقديرها هو الشافعي٥، ومع هذا فإنه يوجب على من اضطر الإنسان إلى طعامه أن يبذله له٦ بثمن المثل، وتنازع أصحابه في جواز تسعير الطعام، إذا كان بالنَّاس إليه حاجة، ولهم فيه وجهان٧.
وقال أصحاب أبي حنيفة٨: لا ينبغي للسلطان أن يسعر على
(١) "فتقدير الثمن فيها بثمن المثل" إلى قوله "ولو لم يقدر فيها" ساقطة من "و".