النَّاس، إلَّا إذا تعلق به حق ضرر العامة، فإذا رفع إلى القاضي أمر المحتكر ببيع ما فضل من قوته وقوت أهله، على اعتبار السعر في ذلك، ونهاه عن الاحتكار، فإن أبى حبسه وعزره على مقتضى رأيه، زجرًا له، ودفعًا للضرر عن النَّاس.
قالوا: فإن تعدى أرباب الطعام، وتجاوزوا القيمة تعديًا فاحشًا، وعجز القاضي عن صيانة حقوق المسلمين إلَّا بالتسعير سعَّره حينئذٍ بمشورة أهل الرَّأي والبصيرة١.
وهذا على أصل أبي حنيفة ظاهر، حيث لا يرى الحجر على الحر٢، ومن باعَ منهم بما قدره الإمام صح؛ لأنَّه غير مكره عليه.
قالوا: وهل يبيع القاضي على المحتكر طعامه من غير رضاه٣؟ فعلى الخلاف المعروف في بيع مال المديون.
وقيل: يبيع ها هنا بالاتفاق؛ لأنَّ أبا حنيفة يرى الحجر لدفع الضرر العام٤، والسعر لما غلا على عهد النبي ﷺ وطلبوا منه التسعير
(٣) انظر: فتح القدير (١٠/ ٥٩)، الاختيار (٢/ ٩٦)، مختصر القدوري (٩٥)، تبيين الحقائق (٦/ ٢٨)، والمراجع السابقة في الحاشية قبل السابقة.
(٤) انظر: فتح القدير (١٠/ ٥٩)، بدائع الصنائع (٥/ ١٢٩)، الهداية شرح البداية =
فامتنع، لم يذكر أنَّه كان هناك من عنده طعام امتنع من بيعه، بل عامة من كان يبيع الطعام إنما هم جالبون يبيعونه إذا هبطوا السوق، ولكن "نهى النبي ﷺ أن يبيع حاضرٌ لبَادٍ" أي أن يكون له سمسارًا، وقال: "دَعُوا النَّاس يَرْزُقُ الله بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ"١، فنهى الحاضر العالم بالسعر أن يتوكل للبادي الجالب للسلعة؛ لأنَّه إذا توكل له - مع خبرته بحاجة النَّاس - أغلى الثمن على المشتري، فنهاه عن التوكل له، مع أنَّ جنس الوكالة مباح، لما في ذلك من زيادة السعر على النَّاس، ونهى عن تلقي الجلب، وجعل للبائع إذا هبط السوق الخيار.
ولهذا كان أكثر الفقهاء على أنَّه نهى عن ذلك لما فيه من ضرر البائع هنا٢، فإذا لم يكن قد عرف السعر، وتلقاه المتلقي قبل إتيانه إلى السوق، اشتراه المشتري بدون ثمن المثل فغبنه، فأثبت النبي ﷺ لهذا البائع الخيار.
ثمَّ فيه عن أحمد روايتان٣ كما تقدم، إحداهما: أنَّ الخيار يثبت له مطلقًا، سواء غبن أم لم يغبن، وهو ظاهر مذهب الشافعي٤.