والثانية: أنَّه إنَّما يثبت له عند الغبن، وهي ظاهر المذهب١.
وقالت طائفة٢: بل نهى عن ذلك لما فيه من ضرر المشتري إذا تلقَّاهُ المتلقي، فاشترى منه، ثمَّ باعه٣.
وفي الجملة، فقد نهى النبي ﷺ عن البيع والشراء الَّذي جنسه حلال، حتَّى يعلم البائع بالسعر، وهو ثمن المثل، ويعلم المشتري بالسلعة.
وصاحب القياس الفاسد يقول: للمشتري أن يشتري حيث شاء، وقد اشترى من البائع، كما يقول: فله أن يتوكل للبائع الحاضر وغير الحاضر. ولكن الشارع راعى المصلحة العامة، فإن الجالب إذا لم يعرف السعر كان جاهلًا بثمن المثل، فيكون المشتري غارًّا له.
وألحق مالك٤ وأحمد٥﵄ بذلك كل مسترسل، فإنَّه بمنزلة الجالب الجاهل بالسعر.
فتبين أنه يجب على الإنسان ألَّا يبيع مثل هؤلاء إلَّا بالسعر المعروف، وهو ثمن المثل، وإن لم يكونوا محتاجين إلى الابتياع منه،
لكن لكونهم جاهلين بالقيمة أو غير مماكسين، والبيع يعتبر فيه الرضا، والرضا يتبع العلم، ومن لم يعلم أنَّه غبن فقد يرضى، وقد لا يرضى، فإذا علم أنَّه غبن ورضي فلا بأس بذلك.
وصاحب القياس الفاسد يقول: لا يجب عليه أن يبيع شجرته، ولا يتبرع بها، ولا يجوز لصاحب الأرضِ أن يقلعها؛ لأنَّه تصرف في ملك الغير بغير إذنه، وإجبار على المعاوضة عليه، وصاحب الشرع أوجب عليه إذا لم يتبرع بها أن يبيعها٢، لما في ذلك من مصلحة صاحب الأرضِ بخلاصه من تأذيه بدخول صاحب الشجرة، ومصلحة صاحب الشجرة بأخذ القيمة، وإن كان عليه في ذلك ضررٌ يسير، فضرر صاحب الأرض ببقائها في بستانه أعظم، فإنَّ الشارع الحكيم يدفع٣
(١) رواه أبو داود رقم (٣٦٣٦)، والبيهقي (٦/ ١٥٧) من حديث سمرة بن جندب ﵁. قال ابن حزم: "هذا منقطع؛ لأنَّ محمد بن علي لا سماع له من سمرة" ا. هـ. المحلَّى (٩/ ٢٩)، الجوهر النقي (٦/ ٢٦٠)، وقال المنذري: "في سماع الباقر من سمرة بن جندب نظر" ا. هـ. مختصر سنن أبي داود (٥/ ٢٤٠).