أعظم الضررين بأيسرهما، فهذا هو الفقه والقياس والمصلحة، وإن أباه من أباه.
والمقصود: أنَّ هذا دليلٌ على وجوب البيع لحاجة المشتري، وأين هذا من حاجة عموم النَّاس إلى الطعام وغيره؟
والحكم في المعاوضة على المنافع إذا احتاج النَّاس١ إليها - كمنافع الدور والطحن والخبز وغير ذلك - حكم المعاوضة على الأعيان.
وجماع الأمر: أنَّ مصلحة النَّاس إذا لم تتم إلَّا بالتسعير سعَّر عليهم تسعير عدل، لا وكس ولا شطط، وإذا اندفعت حاجتهم وقامت مصلحتهم بدونه لم يفعل٢، وبالله التوفيق.
فصل
والمقصود: أن هذه أحكام شرعية، لها طرق شرعية، لا تتم مصلحة الأمة٣ إلا بها، ولا تتوقف على مدع ومدعى عليه، بل لو توقفت على ذلك فسدت مصالح الأمة، واختل النظام، بل يحكم فيها متولي ذلك بالأمارات٤ والعلامات الظاهرة والقرائن البينة.
ولما كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يتم إلا بالعقوبات
(١) "النَّاس" ساقطة من "ب".
(٢) انظر: الحسبة (١٠٩).
(٣) "الأمة" ساقطة من "ب".
(٤) في "ب": "بالأمانات".
الشرعية، فإن "الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن"١، وإقامة الحدود واجب على ولاة الأمور، والعقوبة تكون على فعل محرم، أو ترك واجب.
والعقوبات - كما تقدم٢ - منها مقدر، وغير مقدر، وتختلف مقاديرها وأجناسها وصفاتها باختلاف أحوال الجرائم، وكبرها، وصغرها، وبحسب حال المذنب في نفسه.
والتعزيز: منه ما يكون بالتوبيخ وبالزجر وبالكلام، ومنه ما يكون بالحبس، ومنهُ ما يكون بالنَّفي عن الوطن٣، ومنه ما يكون بالضرب٤.
وإذا كان على ترك واجب - كأداء الديون والأمانات والصلاة والزكاة - فإنَّه يضرب مرَّة بعد مرَّة، ويفرق الضرب عليه يومًا بعد يوم، حتَّى يؤدي الواجب، وإن كان ذلك على جرم ماض فعل منه مقدار
(١) رواه ابن عبد البر في التمهيد (١/ ١١٨) بسنده عن مالك أنَّ عثمان .. بنحوه. ورواه الخطيب في التاريخ (٤/ ٣٢٩) عن عمر بن الخطاب ﵁. قال ابن الأثير في بيان معناه: "أي من يكف عن ارتكاب العظائم مخافة السلطان أكثر ممن يكفه مخافة القرآن" ا. هـ. النهاية (٥/ ١٨٠). وانظر: أدب الكاتب لابن قتيبة (٣٤٦)، والجد الحثيث في بيان ما ليس بحديث (٥٣)، إتقان ما يحسن من الأخبار الدَّائرة على الألسن (١/ ٣٨١).