في مذهب أحمد١، وكثير منها سائغ عند مالك٢، وفعل الخلفاء الراشدين وأكابر الصحابة لها بعد موته٣ﷺ مبطل أيضًا لدعوى نسخها، والمدعون للنسخ ليس معهم كتاب ولا سنة، ولا إجماع يصحح دعواهم٤، إلَّا أن يقول أحدهم: مذهب أصحابنا عدم جوازها، فمذهب أصحابه عيار على القبول والرد، وإذا ارتفع عن هذه الطبقة ادعى أنَّها منسوخة بالإجماع، وهذا غلط٥ أيضًا، فإنَّ الأُمَّة لم تجمع على نسخها، ومحال أنَّ الإجماع ينسخ السنة، ولكن لو ثبتَ الإجماع لكان دليلًا على نص ناسخ.
قال ابن رشد في كتاب "البيان"٦ له: ولصاحب الحسبة الحكم على من غش في أسواق المسلمين في خبز أو لبن أو عسل، أو غير ذلك من السلع، بما ذكره أهل العلمِ في ذلك، فقد قال مالك في "المدونة"٧: "إنَّ عمر بن الخطاب ﵁ كان يطرح اللبن
(٢) في "ب": "في مذهب مالك". انظر: تبصرة الحكام (٢/ ٢٩٣). وممن يقول بجواز التعزير بالمال: أبو يوسف. انظر: فتح القدير (٥/ ٣٤٦)، البحر الرَّائق (٥/ ٦٨)، حاشية ابن عابدين (٤/ ٦٦).
(٣) تقدم ذكرها قريبًا.
(٤) انظر: الحسبة (١٢٨)، تبصرة الحكام (٢/ ٢٩٣).
(٥) في "أ": "خطأ".
(٦) البيان والتحصيل (٩/ ٣١٩).
(٧) المدونة (٣/ ٤٤٤).
المغشوش في الأرضِ١ " أدبًا لصاحبه، وكره ذلك في رواية ابن القاسم، ورأى أن يتصدق به٢، ومنع من ذلك في رواية أشهب، وقال: لا يُحل ذنبٌ من الذنوب مالَ إنسان، وإن قتل نفسًا٣.
وذكر ابن الماجشون عن مالك - في الَّذي غش اللبن - مثل الَّذي تقدم في رواية أشهب.
قال ابن حبيب: فقلت لمطرف وابن الماجشون: فما وجه الصواب عندكما فيمن غش أو نقص من الوزن؟ قالا: يعاقب بالضرب والحبس٤ والإخراج من السوق، وما كسر٥ من الخبز واللبن، أو غش من المسك والزعفران، فلا يفرق ولا ينهب٦.
قال ابن حبيب: ولا يرده الإمام إليه، وليأمر ثقته ببيعه عليه ممَّن يأمن أن يغش به، ويكسر الخبز إذا كسد٧، ثمَّ يسلمه لصاحبه، ويباع عليه العسل والسمن واللبن الَّذي يغشه ممن يأكله، ويبين له غشه، وهكذا العمل في كلَّ ما غش من التجارات، وهو إيضاح ما استوضحته
(١) لم أجده سوى في المدونة (٣/ ٤٤٤)، وقد قال ابن تيمية ﵀: "هذا ثابت عن عمر بن الخطاب ﵁" ا. هـ. الحسبة (١٣١).
(٢) انظر: تبصرة الحكام (٢/ ٢٩٣)، معين الحكام لابن عبد الرفيع (٢/ ٦٤٠).