وروي عن مالك: أنَّ المستحسن عنده أن يتصدق به، إذ في ذلك عقوبة الغاش بإتلافه عليه، ونفع المساكين بإعطائهم إياه، ولا يهراق٢.
وقيل لمالك: فالزعفران والمسك، أتراه مثله؟ قال: وما أشبهه بذلك، إذا كان هو الَّذي غشَّه، فهو كالَّلبن٣.
قال ابن القاسم: هذا في الشيء الخفيف ثمنه٤، فأمَّا إذا كثر ثمنه فلا أرى ذلِكَ، وعلى صاحبه العقوبة؛ لأنَّه يذهب في ذلك أموال عظام، تزيد في الصدقة بكثير٥.
قال ابن رشد٦: قال بعض الشيوخ: وسواء - على مذهب مالك - كان ذلك يسيرًا أو كثيرًا؛ لأنَّه يساوي في ذلك بين الزعفران واللبن والمسك قليله وكثيره.
وخالفه ابن القاسم فلم ير أن يتصدق من ذلك إلَّا بما كان يسيرًا٧.
(١) انظر: معين الحكام لابن عبد الرفيع (٢/ ٦٤٠).
(٢) انظر: تبصرة الحكام (٢/ ٢٩٣)، معين الحكام (٢/ ٦٤٠).
(٣) انظر: الذخيرة (١٠/ ٥٤)، معين الحكام (٢/ ٦٤١).
(٤) في "أ" و"ب" و"جـ" و"هـ" و"و": "منه".
(٥) في "أ" و"و": "وتكثره". وانظر: المراجع السابقة.
ذلك إذا كان هو الَّذي غشَّه، فأمَّا من وجد عنده من ذلك شيء مغشوش لم يغشه هو، وإنَّما اشتراه أو وهب له أو ورثه، فلا خلاف أنَّه لا يتصدق بشيء من ذلك، والواجب أن يباع ممن يؤمن أن يبيعه من غيره مدلسًا به، وكذلك ما وجب أن يتصدق به من المسك والزعفران يباع١ على الَّذي غشه.
وقول٢ ابن القاسم في أنَّه لا يتصدق من ذلك إلَّا بالشيء اليسير أحسن من قول مالك؛ لأنَّ الصدقة بذلك من العقوبات في الأموال، وذلك أمرٌ كان في أوَّل الإسلام.
ومن ذلِكَ: ما روي عن النبي ﷺ في مانع الزكاة: "إنَّا آخذوها وَشَطْرَ مَالِهِ عَزْمَةً مِنْ عَزَمَاتِ رَبَّنَا"٣.
وروي عنه في حريسة الجبل٤: "أنَّ فيها غَرَامَة مِثْلِهَا٥ وَجَلَدَات
= التاج والإكليل (٣/ ٣٤٢).
(١) "يباع" مثبتة من "جـ".
(٢) لا يزال الكلام لابن رشد ﵀.
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) حريسة الجبل: أي ليس فيما يُحرس بالجبل إذا سُرق قطع؛ لأنَّه ليس بحرز. والحريسة فعيلة بمعنى مفعولة أي أنَّ لها من يحرسها، ومنهم من يجعل الحريسة السرقة نفسها، ويقال للشاة التي يدركها الليل قبل أن تصل إلى مراحها: حريسة. انظر: النهاية (١/ ٣٦٧)، المجموع المغيث (١/ ٤٢٨)، حاشية السندي على النسائي (٨/ ٨٥).