تطوف بالبيت١، وكذلك معيقيب الدَّوسي٢ قد جعله عمر ﵁ على بيت المال، وكان عمر٣ يجالسه ويؤاكله، ويقول له: "كُلْ مِمَّا يليك"٤، فإذا كثروا رأيت أن يتخذوا لأنفسهم موضعًا، كما صنع بمرضى مكة، ولا يمنعون من الأسواق لتجارتهم، وشراء حوائجهم، أو الطواف للسؤال، إذا لم يكن إمام يرزقهم من الفيء، ولا يمنعون من الجمعة، ويمنعون من غير ذلك٥.
وروى سحنون: أنَّهم لا يجمعون مع النَّاس الجمعة٦، وأمَّا مرضى القرى فلا يخرجون منها، وإن كثروا، ولكن يمنعون من أذى النَّاس.
وقال أصبغ: ليس على مرضى الحواضر الخروج منها إلى ناحية أخرى٧، ولكن إن كفاهم الإمام المؤنة منعوا من مخالطة النَّاسِ بلزوم
(١) تقدم تخريجه قريبًا.
(٢) معيقيب بن شاهين بن أبي فاطمة الدَّوسي أسلم قديمًا شهد المشاهد وبيعة الرضوان، وقيل: عاش إلى بعد الأربعين ﵁ وأرضاهُ. انظر: الإصابة (٣/ ٤٣٠).
(٣) "عمر" ساقطة من "د" و"هـ".
(٤) رواه الترمذي (٣/ ٤٠٥)، وابن بشكوال في الغوامض والمبهمات (٢/ ٥٦٨)، وعبد الرزاق (١٠/ ٤٠٥)، وابن عبد البر في التمهيد (١/ ٥٣)، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٤/ ١١٢).
وقال ابن حبيب: يحكم عليهم بتنحيهم٢ ناحية إذا كثروا، وهو الَّذي عليه فقهاء الأمصار٣.
قلت: يشهد لهذا الحديث الصحيح الَّذي رواه البخاري من حديث سعيد بن ميناء عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "لَا عَدْوَى٤، وَلَا هَامَةَ٥، ولَا صَفَرَ٦، وَفِرَّ مِنَ المَجْذُوْمِ فِرَارَكَ منَ الأَسَدِ، أو قال: مَن الأُسُود"٧.
وروى مسلمٌ في "صحيحه"٨ من حديث يعلى بن عطاء عن عمرو
(١) البيان والتحصيل (٩/ ٤١١).
(٢) في "ب": "بتنحيتهم".
(٣) المرجع السابق.
(٤) هذا نفي لما كان يعتقده أهل الجاهلية من أنَّ هذه الأمراض تعدي بطبعها من غير اعتقاد تقدير الله لذلك. انظر: لطائف المعارف (١٣٨)، علوم الحديث (٤١٥)، زاد المعاد (٤/ ١٤٨)، فتح المجيد (٢/ ٥١٠)، تيسير العزيز الحميد (٤٣٠).
(٥) الهامة: طائر من طير الليل وهي البومة كان العرب يتشاءمون بها. فتح الباري (١٠/ ٢٥٢)، فتح المجيد (٢/ ٥١٤)، تيسير العزيز الحميد (٤٣٨).
(٦) قال البخاري: "هو داءٌ يأخذ البطن". الصحيح (١٠/ ١٨٠). وقيل: شهر صفر وذلك أنَّ العرب كانت تُحَرِّمَ صفر وتستحل المحرم. وقيل: غير ذلك. انظر: فتح الباري (١٠/ ١٨١)، لطائف المعارف (١٤٨)، فتح المجيد (٢/ ٥١٥).
(٧) البخاري رقم (٥٧٠٧) (١٠/ ١٦٧)، ومسلم رقم (٢٢٢٠) (١٤/ ٤٦٤) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٨) في كتاب السلام باب اجتناب المجذوم رقم (٢٢٣١) (١٤/ ٤٧٩) من حديث الشريد ﵁.