قال إسحاق٢: قلت لأبي عبد الله: تذهب إلى حديث عمران بن حصين في الأعبد٣؟ قال: نعم.
فإن٤ قيل: العتق في المرض وصية، فكأنَّه أوصى أن يعتق كل عبد على انفراده، فإذا تعذَّر عتق جميعه عتق منه ما أمكن عتقه، كما لو كان ماله كلُّه عبدًا واحدًا، فأعتقه عتق منه ما حمل الثلث، قيل: هذا هو القياس الفاسد الَّذي ردت به السنة الصحيحة الصريحة.
والفرق بين الموضعين: أنَّ في مسألة العبد الواحد لا يمكن غير جريان العتق في بعضه، وأمَّا في الأعبد فتكميل الحرية في بعضهم بقدر الثلث ممكن، فكان أولى من تشقيصها في كلَّ واحد، فإنَّ المريض قصد تكميل الحرية في الجميع، ولكن منع لحق الورثة، فكان تكميلها في البعض موافقًا لقصد المعتق ومقصود الشارع، أمَّا المعتق فإنَّه أراد تخليص جملة الرقبة، وأمَّا٥ الشارع فإنَّه متشوف إلى تكميل الحرية دون تشقيصها، وتكميلها في الجميع ضررٌ بالوارث،
(١) انظر: الفروق (٤/ ١١١)، قواعد ابن رجب (٣/ ١٩٥).
(٢) إسحاق بن إبراهيم بن هانئ. انظر: مسائله (٢/ ٦٠).
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) في "جـ" و"و": "قال".
(٥) "أما المعتق فإنه أراد تخليص جملة الرقبة وأما" ساقطة من جميع النسخ ما عدا "أ".
وتكميلها في الثلث مصلحة للمعتق والوارث والعبد، فلا يجوز العدول عنه.
فالقياس الصحيح وأصول الشرع مع الحديث الصحيح، وخلافه خلاف النص والقياس معًا.
فإن قيل: فقد صار سدس كل عبد من الأعبد الستة مستحق الإعتاق، فإبطاله إبطال لعتق مستحق؟
قيل: ليس كذلك، وإنَّما العتق المستحق عتق ثلث الأعبد، وهو الَّذي١ ملَّكه إيَّاه الشارع ﷺ فصار كما لو أوصى بعتق ثلثهم، فإنَّه هو الَّذي يملكه، وما لا يملكه تصرفه فيه لغوٌ وباطلٌ، والوارث إذا لم يجز إعتاق الجميع كان تصرف المعتق فيما زاد على الثلث بمنزلة عدمه، وإذا كان إنَّما أعتق الثلث حكمًا، أخرجنا الثلث بالقرعة، فأي قياسٍ أصح من هذا وأبين؟
فإن قيل: مدار الحديث على الحسن، وهو يرويه عن عمران بن حصين٢، وقد قال أحمد في رواية الميموني: لا يثبت لقي الحسن لعمران بن حصين٣، وقال مهنا: سألتُ أحمد عن حديث الحسن
(١) "الذي" ساقطة من "أ".
(٢) كما في رواية سعيد بن منصور (٤٠٨)، والنسائي في الكبرى (٣/ ١٨٧)، والبيهقي (١٠/ ٤٨٣).
(٣) وقد أنكر سماع الحسن من عمران: يحيى بن معين وعلي بن المديني وأبو حاتم وأحمد في أحد قوليه والبيهقي والمنذري وغيرهم. انظر: العلل لابن المديني (٦٠)، المراسيل لابن أبي حاتم (٤٠)، جامع التحصيل (١٦٥)، =