الثالث: أنه لا يقع الطلاق بواحدة منهن١؛ لأن النكاح ثابت بيقين، وكل واحدة منهن مشكوك فيها: هل هي المطلقة أم لا؟ فلا تطلق بالشك، ولا يمكن إيقاع الطلاق بواحدة غير معينة، وليس البعض أولى بأن يوقع عليها الطلاق من البعض، والقرعة قد تخرج غير المطلقة٢، فإنها كما يجوز أن تقع على المطلقة يجوز أن تقع على غيرها، فإذا أخطأت المطلقة وأصابت غيرها أفضى ذلك إلى تحريم من هي زوجة، وحل من هي أجنبية.
وإذا بطلت هذه الأقسام كلها تعين هذا التقرير، وهو بقاء النكاح في حق كل واحدة منهن حتى يتبين أنها المطلقة، وإذا كان النكاح باقيًا فيها فأحكامه مترتبة عليه، وأما أن يبقى النكاح ويحرم الوطء دائمًا فلا وجه له.
فهذا القول والقول بوقوع الطلاق على الجميع متقابلان، وأدلتهما تكاد أن تتكافأ، ولا احتياط في إيقاع الطلاق بالجميع؛ فإنه يتضمن تحريم الفرج على الزوج بالشك، وإباحته لغيره.
قال المقرعون٣: قد جعل اللهُ سبحانه القرعة طريقًا إلى الحكم الشرعي في كتابه٤، وفعلها رسول الله ﷺ وأمر
(١) وهذا الَّذي قال عنه المؤلِّف: لا يُعلم به قائل.
(٢) انظر: المغني (١٠/ ٥٢٣).
(٣) وهذا هو القول الرَّابع: أن تخرج بالقرعة.
(٤) تقدم ذكر الآيات.
بها١، وحكم بها علي بن أبي طالب٢ في هذه المسألة بعينها، وكل قول غير القول بها فإنَّ أصول الشرع وقواعده ترده.
أمَّا وقوع الطلاق على الجميع مع العلم بأنَّه إنَّما أوقعه على واحدة، فتطليق لغير المطلقة، وهو نظير ما لو طلَّق طلقة واحدة فألزمناهُ بثلاث طلقات، فإنَّ هذا في عدد المطلقات كمسألتنا في عدد الطلاق، ولا يشبه ذلك ما لو طلَّق وشك هل طلق واحدة٣ أو ثلاثًا، حيث يجوز أن٤ يجعل ثلاثًا، فإنَّه يجوز أن يكون قد استوفى عدد الطلاق٥، وفي مسألتنا: هو جازم بأنَّه لم يستوف عدد المطلقات٦، بل كل واحدة منهنَّ قد شكَّ، هل طلقها أم لا؟ وغايته: أنَّه قد تيقن تحريمًا في واحدة لا بعينها، فكيف يحرم عليه غيرها؟
فإن قيل: قد اشتبهت المحللة بالمحرمة، فحرمتا معًا، كما لو اشتبهت أخته بأجنبية، وميتة بمذكاة٧.
قيل: ها هنا معنا أصل يرجع إليه، وهو التحريم الأصلي، وقد وقع الشك في سبب الحل، فلا يرفع التحريم الأصلي بالشك، وفي
(١) تقدم ذكر الأحاديث.
(٢) انظر: المغني (١٠/ ٥٢٢)، الكافي (٣/ ٢٢٣).
(٣) "فألزمناه بثلاث" إلى قوله "وشك هل طلَّق واحدة" مثبت من "أ".