مسألتنا قد ثبت الحل وزال التحريم الأصلي١ بالنكاح، ثمَّ وقع في عين غير معينة، ومعنا أصل الحل المستصحب، فلا يمكن تعميم التحريم، ولا إلغاؤه بالكلية، ولم يبق طريق إلى تعيين محله إِلَّا بالقرعة، فتعينت طريقًا.
قالوا: وأيضًا؛ فإنَّ الطلاق قد وقع على واحدة منهنَّ معينة؛ لامتناع وقوعه في غير معين، فلم يملك المطلق صرفه إلى أيتهن شاء، لكن التعيين غير معلوم لنا، وهو معلوم عند الله، وليس لنا طريق إلى معرفته، فتعينت القرعة.
يوضحه: أنَّ التعيين من المطلق ليس إنشاءً للطلاق٢ في المعينة، فإنَّه لو كان إنشاءً لم يكن المتقدم طلاقًا، ولكان الجميع حلالًا له٣، ولما أمر بأن ينشئ الطلاق ولا افتقر إلى لفظ يقع به، وإذا لم يكن إنشاءً فهو إخبار منه بأنَّ هذه المعينة هي التي أوقعت عليها الطلاق، وهذا خبر غير مطابق، بل هو خلاف الواقع.
وحاصله: أنَّ التعيين إمَّا أن يكون إنشاءً للطلاق، أو إخبارًا، ولا يصلح لواحد منهما٤.
فإن قيل: بل هو إنشاء عندنا في المبهمة، وأمَّا في٥ المنسية فهو
(١) "بالشك وفي مسألتنا قد ثبت الحل وزال التحريم الأصلي" مثبت من "أ".
(٢) في "أ": "الطلاق".
(٣) "له" ساقطة من "د".
(٤) انظر: بدائع الصنائع (٣/ ٢٢٥).
(٥) "في" ساقطة من "د" و"هـ".
واقع من حين طلق.
قيل: لا يصح جعله إنشاءً للطلاق؛ لأنَّ الطلاق إمَّا أن يكون قد وقع بإحداهنَّ أو لا، فإن لم يقع لم يلزمه أن ينشئه، وإن كان قد وقع١ استحال إنشاؤه أيضًا؛ لأنَّهُ تحصيل للحاصل.
فإن قيل: فهذا يلزمكم أيضًا؛ لأنَّكم تقولون: إنَّ الطلاق يقع من حين الإقراع.
قيل: بل الطلاق عندنا في الموضعين واقع من حين الإيقاع.
قال الإمام أحمد في رواية أبي طالب في رجلٍ له أربع نسوة، فطلَّق إحداهنَّ وتزوج أخرى، ومات، ولم يدر أي الأربع طلَّق: فلهذه الأخيرة ربع الثمن، ثمَّ يقرع بين الأربع، فأيتهن قَرَعت أخرجت، وورث البواقي٢.
قال القاضي٣: فقد حكم بصحة نكاح الخامسة قبل تعيين المطلقة. قال: وهذا يدلُّ على وقوع الطلاق من حين الإيقاع، ولو كان من حين٤ التعيين لم يصح نكاح الخامسة.
فإن قيل: فهذا بعينه يرد عليكم في التعيين بالقرعة، والجوابُ
(١) "بإحداهنَّ أو لا، فإن لم يقع لم يلزمه أن ينشئه، وإن كان قد وقع" ساقطة من "ب".