قيل: الفرقُ بين التعيينين ظاهر، فإنَّ تعيين المكلف تابع لاختياره وإرادته، وتعيين القرعة إلى الله ﷿، والعبد يفعل القرعة وهو ينتظر ما يعينه له القضاء والقدر، شاء أم أبى.
وهذا هو سرُّ المسألة وفقهها، فإنَّ التعيين إذا لم يكن لنا سبيل إليه بالشرع فوض إلى القضاء والقدرِ، وصار الحكم به شرعيًّا قدريًّا؛ شرعيًّا١ في فعل القرعة، قدريًّا فيما تخرج به، وذلك إلى اللهِ، لا إلى المكلَّف٢.
فلا أحسنَ من هذا ولا أبلغ في موافقة شرع الله وقدره.
وأيضًا؛ فإنَّه لو طلَّق واحدةً منهنَّ، ثمَّ أشكلت عليه، لم يكن له أن يعيِّن المطلقة باختياره، فهكذا إذا طلَّق واحدة لا بعينها.
فإن قيل: الفرقُ ظاهر، وهو أنَّ الطلاق ها هنا قد وقع على واحدةٍ بعينها، فإذا أشكلت لم يجز أن يعين من تلقاء نفسه؛ لأنَّهُ٣ لا يأمن أن يعين غير التي وقع عليها الطلاق، ويستديم نكاح التي طلقها، وليس كذلك في مسألتنا، فإنَّ الطلاقَ وقع على إحداهنَّ غير معينة، فليس في تعيينه إيقاع الطلاق على من لم يقع بها، وصرفه عمن وقع بها٤.
قيل: إحداهما محرمة عليه في المسيس١، ولا يدري عينها، فإذا لم يملك التعيين بلا سبب في إحدى الصورتين لم يملكه في الأخرى.
وهذا أيضًا سر المسألة وفقهها، فإنَّ التعيين بالقرعة تعيين بسبب قد نصبه الله تعالى ورسوله سببًا للتعيين عند عدم غيره، والتعيين بالاختيار تعيينٌ بلا سبب، إذ هذا فرض المسألة، حيث انتفت أسباب التعيين وعلاماته. ولا يخفى أنَّ التعيين بالسبب الَّذي نصبه الشرع له أولى من التعيين الَّذي لا سبب له.
فإن قيل: المنسية والمشتبهة يجوز أن تذكر وتعلم عينها بزوال الاشتباه؛ فلهذا لم يملك صرف الطلاق فيها إلى من أراد، بخلاف المبهمة فإنَّه لا يرجى ذلك فيها.
قيل: وكذلك المنسية والمشكلة إذا عدم أسباب العلم بتعيينها، فإنَّه يصير في إبقائها إضرارٌ به وبها، وإيقاف للأحكام، وجعل المرأة معلَّقة باقي عمرها، لا ذات زوج ولا مطلقة، وهذا لا عهد لنا به في الشريعة٢.
فصل
وممَّا يدلُّ على صحة تعيين المطلقة بالقرعة حديث عمران بن حصين في عتق الأعبد الستة٣، فإنَّ تصرفه في الجميع لما كان باطلًا