قيل: إحداهما محرمة عليه في المسيس١، ولا يدري عينها، فإذا لم يملك التعيين بلا سبب في إحدى الصورتين لم يملكه في الأخرى.
وهذا أيضًا سر المسألة وفقهها، فإنَّ التعيين بالقرعة تعيين بسبب قد نصبه الله تعالى ورسوله سببًا للتعيين عند عدم غيره، والتعيين بالاختيار تعيينٌ بلا سبب، إذ هذا فرض المسألة، حيث انتفت أسباب التعيين وعلاماته. ولا يخفى أنَّ التعيين بالسبب الَّذي نصبه الشرع له أولى من التعيين الَّذي لا سبب له.
فإن قيل: المنسية والمشتبهة يجوز أن تذكر وتعلم عينها بزوال الاشتباه؛ فلهذا لم يملك صرف الطلاق فيها إلى من أراد، بخلاف المبهمة فإنَّه لا يرجى ذلك فيها.
قيل: وكذلك المنسية والمشكلة إذا عدم أسباب العلم بتعيينها، فإنَّه يصير في إبقائها إضرارٌ به وبها، وإيقاف للأحكام، وجعل المرأة معلَّقة باقي عمرها، لا ذات زوج ولا مطلقة، وهذا لا عهد لنا به في الشريعة٢.
فصل
وممَّا يدلُّ على صحة تعيين المطلقة بالقرعة حديث عمران بن حصين في عتق الأعبد الستة٣، فإنَّ تصرفه في الجميع لما كان باطلًا
(١) في "أ" و"ب": "المسألتين".
(٢) بدائع الفوائد (٣/ ٢٦٣).
(٣) تقدم تخريجه.
جعل كأنَّه أعتقَ ثلثًا منهم غير معين، فعينه النبي ﷺ بالقرعة، والطلاق كالعتاق في هذا؛ لأنَّ كل واحدٍ منهما إزالة ملك مبني على التغليب والسراية، فإذا اشتبه المملوك في كل منهما بغيره لم يجعل التعيين إلى اختيار المالك.
فإن قيل: العتاق أصله الملك، فلما دخلت القرعة في أصله وهو الملك في حال القسمة١، وطرح القرعة على السهام، دخلت لتمييز الملك من الحرية، وليس كذلك الطلاق، لأنَّ أصله النكاح، والنكاح لا تدخله القرعة، فكذلك الطلاق٢.
قيل: وَمَنْ سلَّم لكم٣ أنَّ القرعة لا تدخل في النكاح، بل الصحيح من الروايتين دخولها فيه، فيما إذا زوجها الوليان، ولم يعلم السابق منهما، فإنَّا نقرع بينهما، فمن خرجت عليه القرعة حكم له بالنكاح، وأنَّه هو الأوَّل، هذا منصوص أحمد٤ في رواية ابن منصور وحنبل.
(١) في "أ": "القيمة".
(٢) "لأنَّ أصله النكاح والنكاح لا تدخله القرعة فكذلك الطلاق" ساقطة من "ب".
(٣) "قيل: ومن سلم لكم" ساقطة من "و"، وفي "ب": "قيل: لا نسلم لكم".
(٤) انظر: مسائل ابن منصور الكوسج (٤/ ١٤٨٩)، المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين (٢/ ٩٥)، قواعد ابن رجب (٣/ ٢١٠)، المغني (٩/ ٤٣٢)، المحرر (٢/ ١٧)، الفروع (٥/ ١٨٤)، تصحيح الفروع (٥/ ١٨٥)، الشرح الكبير (٢٠/ ٢١٩)، الإنصاف (٢٠/ ٢١٩)، رؤوس المسائل الخلافية (٤/ ٧١)، شرح الزركشي (٥/ ١٠٧)، إغاثة اللهفان (١/ ١٩٥).