من يحبها، وأبقت عليه من يبغضها، ودخوله في الإسلام يقتضي ترغيبه فيه، وتحبيبه إليه، فكان من محاسن الإسلام رد ذلك إلى اختياره وشهوته، بخلاف ما إذا طلق هو من تلقاء نفسه واحدة منهن١.
على أن القياس الذي احتجوا به فاسد أيضًا، فإنه ينكسر٢ بما إذا اختلطت زوجته بأجنبية، أو ميتة بمذكاة، فإنه ليس له تعيين المحرمة٣.
فإن قيل: ولا إخراجها بالقرعة.
قلنا: نحن لم نستدل بدليل يرد علينا فيه هذا، بخلاف من استدل بمن ينكسر٤ عليه بذلك.
فإن قيل: التحريم ها هنا كان في معين ثم اشتبه.
قيل: لما اشتبه وزال دليل تعيينه صار كالمبهم، وهذا حجة مالك عليكم، حيث حرم الجميع، لإبهام المحرمة منهن٥.
(١) انظر: الفروع (٥/ ٢٥١).
(٢) في "و": "ينعكس". الكسر: هو وجود الحكمة بلا حكم، انظر: شرح الكوكب المنير (٤/ ٦٤)، الحدود للباجي (٧٧)، مسلم الثبوت (٢/ ٢٨١)، مختصر ابن الحاجب (٣/ ٤٧).
قال أصحاب التعيين: التحريم ها هنا حكم تعلق بفرد لا بعينه من جملة، فكان المرجع في تعيينه إلى المكلف، كما لو باع قفيزًا من صبرة١.
قال أصحاب القرعة: الإبهام إنما يصح في البيع، حيث تتساوى الأجزاء، ويقوم كل جزء منها مقام الآخر في التعيين، فلا تفيد القرعة ها هنا قدرًا زائدًا على التعيين، وليس كذلك الطلاق، فإن محله لا تتساوى أفراده، ولا الغرض من هذا هو الغرض من هذا، فهو بمسألة المسافر٢ بإحدى الزوجات أشبه منه بمسألة القفيز من الصبرة المتساوية٣، ألا ترى أن التهمة تلحق في التعيين ها هنا، وفي مسألة القسمة، وفي مسألة الطلاق، ولا تلحق٤ في التعيين في مسألة القفيز من الصبرة المتساوية؟ وهذا فقه المسألة: أن الموضع الذي تلحق٥ فيه التهمة شرعت فيه القرعة نفيًا لها وما لا تلحق فيه لا فائدة فيها.
على أن هذا القياس منتقض بما إذا أعتق عبدًا مبهمًا من عبيده، أو أراد السفر بإحدى نسائه.
= الحكام (٢/ ٦٤)، مواهب الجليل (٤/ ٨٧)، الخرشي على خليل (٤/ ٦٥)، منح الجليل (٤/ ١٤٥)، التاج المذهب (٢/ ١٥٣).