قال أصحاب القرعة١: قد شرع الله ورسوله القرعة، وأخبر بها عن أنبيائه ورسله، مقررًا لحكمها٢، غير ذام لها، وفعلها رسول الله ﷺ وأصحابه من بعده٣، وقد صانهم الله سبحانه عن القمار بكل طريق، فلم يشرع لعباده القمار قط، ولا جاء به نبي أصلًا، فالقرعة شرعه ودينه، وسنة أنبيائه ورسله.
قال المانعون من القرعة: قد اشتبهت المحللة بالمحرمة على وجه لا تبيحه الضرورة، فلم يمكن له إخراجها بالقرعة، كما لو اشتبهت أخته بأجنبية، أو ميتة بمذكاة٤.
قال أصحاب القرعة: الفرق أن ها هنا نستصحب أصل التحريم، ولا نزيله بالشك، بخلاف مسألتنا، فإن التحريم الأصلي قد زال بالنكاح، وشككنا في وقوع التحريم الطارئ بأي واحدة منهن وقع، فلا يصح إلحاق إحدى٥ الصورتين بالأخرى.
قال المانعون: قد تُخْرِج القرعة غير المطلقة، فإنها ليس لها من العلم والتمييز ما تخرج به المطلقة بعينها٦.
قال المقرعون: هذا - أولًا - اعتراض على السنة، فهو مردود.
(١) انظر: الفروق (٤/ ١١٣).
(٢) في "د" و"و": "لها".
(٣) تقدم ذكر الآيات والأحاديث والآثار ص (٧٤٢) وغيرها.
(٤) انظر: بدائع الفوائد (٣/ ٢٦١).
(٥) في "أ": "أحد".
(٦) انظر: المغني (١٠/ ٥٢٣).
وأيضًا؛ فإن التعيين بها أولى من التعيين بالاعتراض١ والتشهي، أو جعل المرأة معلقة إلى الموت، أو إيقاع الطلاق بأربع لأجل إيقاعه بواحدة منهن.
وأيضًا؛ فإن القرعة مزيلة للتهمة.
وأيضًا؛ فإنها تفويض إلى الله ليعين بقضائه وقدره ما ليس لنا سبيل إلى تعيينه، والله أعلم.
فإن قيل: فما تقولون فيما نقله أبو طالب عن أحمد في رجل زوَّج ابنته رجلًا، وله بنات، فمات، ولم يدر أيتهنَّ هي؟ فقال: يقرع بينهنَّ. وهذا يدلُّ على أنَّه يقرع عند اختلاط أخته بأجنبية٢.
قيل: قد جعل٣ القاضي أبو يعلى ذلك رواية عن الإمام أحمد، وقال: وظاهر هذا أنَّ الزوجة إذا اختلطت بأجانب أقرع بينهنَّ؛ لأنَّه أجاز القرعة بينها وبين أخواتها إذا اختلطت بهنَّ.
قلت: هذا وهم من القاضي، فإنَّ أحمد لم يقرع للحل، وإنَّما أقرعَ للميراث والعدة، ونحن نذكر نصوصه بألفاظها.
قال الخلال في "الجامع": باب في الرجل يكون له أربع بنات٤،