قال الخلال: أخبرني أحمد بن محمد بن مطر أنَّ أبا طالب حدثهم: أنَّه سأل أبا عبد الله عن رجل زوج ابنته رجلًا، وله بنات، فماتا، ولم تدر البينة أيتهنَّ هي؟ قال: يقرع بينهنَّ، فإذا قرعت واحدة ورثت، قلت: حماد١ يقول: يرثن جميعًا، قال: يقرع بينهم، وقال: القرعة أبين، إذا أقرع فأعطى واحدة لعلها أن تكون صاحبته ولا يدري، هو في شك، فإذا أعطاهنَّ فقد علم أنَّه أعطى من ليس له حق٢.
فنصوص أحمد وما نقله عن سعيد والحسن إنَّما فيه القرعة بينهنَّ في الميراث، وهي قرعة على مال، وليس فيه القرعة عند اختلاط الزوجة بغيرها.
لكن في رواية حنبل ما يدلُّ على جريان القرعة في الحياة وبعد الموت، فإنَّه قال: يقرع بينهنَّ، فأيتهنَّ أصابتها القرعة فهي امرأته، وإن مات الزوج فهي التي ترثه أيضًا٣، فهذه أصرح من رواية أبي طالب.
ولكن أكثر الروايات عن أحمد إنَّما هي في القرعة على الميراث، كما ذكر٤ من ألفاظه، على أنَّه لا يمتنع أن يقال بالقرعة في هذه
(١) ابن أبي سليمان.
(٢) "حق" مثبتة من طبعة ابن قاسم. انظر: مسائل الإمام أحمد رواية صالح (٢/ ١٠٥ و١٠٦).
المسألة على ظاهر١ رواية حنبل، فإنَّ أكثرَ ما فيه تعيين الزوجة بالقرعة، والتمييز بينها وبين من ليست بزوجة، وهذا حقيقة الإقراع في مسألة المطلقة، فإنَّ القرعة تميز الزوجة من غيرها، وكذلك لو زوجها الوليان من رجلين، وجهل السابق منهما، فإنَّه يقرع٢ على أصح الروايتين٣، وذلك لتمييز الزوج من غيره، فما الفرق بين تمييز الزوج بالقرعة وتمييز الزوجة بها؟ فالإقراع ها هنا ليس ببعيد من الأصول.
ويدل عليه: أنَّا نوجب عليها العدة بهذه القرعة، والعدة من أحكام النكاح، ولا سيما فالعدة الواجبة ها هنا عدة من غير مدخول بها، فهي من نكاح محض، كذلك الميراث، فإنَّه لولا ثبوت النكاح لما ورثت.
وقول أحمد في رواية حنبل: "يقرع بينهنَّ فأيتهنَّ أصابتها القرعة فهي امرأته"، صريح في ثبوت الزوجية بالقرعة، ثمَّ قال: "وإن مات الزوج فهي التي ترثه"، وهذا صريحٌ في أنَّه يقرع بينهنَّ في حال حياة الزوج والزوجة، وإن مات بعد القرعة ورثته بحكم النكاح، ولا إشكال في ذلك بحمد الله، فإذا أقرعنا٤ بينهنَّ فأصابت القرعة إحداهنَّ كان
(١) "ظاهر" ساقطة من "ب".
(٢) في "أ": "فإنَّا نقرع".
(٣) انظر: المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين (٢/ ٩٥)، المغني (٩/ ٤٣٢)، المحرر (٢/ ١٧)، رؤوس المسائل الخلافية (٤/ ٧١)، قواعد ابن رجب (٣/ ٢١٠)، الفروع (٥/ ١٨٤)، تصحيح الفروع (٥/ ١٨٥)، الشرح الكبير (٢٠/ ٢١٩)، الإنصاف (٢٠/ ٢١٩)، شرح الزركشي (٥/ ١٠٧)، إغاثة اللهفان (١/ ١٩٥).