ومعلومٌ أنَّ التعيين بالقرعة أولى من التعيين بالوطء، فإنَّ القرعة تخرج من قدَّر الله إخراجه بها، ولا يتهم بها، والوطء تابعٌ لإرادته وشهوته، ويجوز أن يشتهي غير من كان في نفسه إرادة طلاقها، فهو متهم في التعيين، فالتعيين بالطريق الشرعي أولى من التعيين بالتشهي والإرادة.
وممَّا يوضحه أنَّ أبا حنيفة قد قال فيما إذا أعتق إحدى أمتيه ثم وطئ إحداهما: أنَّ الوطء لا يعين المعتقة من غيرها١.
قال أصحابه٢: الفرق بينهما أنَّ الطلاق يوجب التحريم، وذلك ينفي النكاح، فلما وطئ إحداهما دلَّ على أنَّه مختار أن تكون زوجته، فإنَّه لا يطأ من ليست زوجته، وأمَّا العتق فإنَّه وإن أوجب تحريم الوطء فإنه إذا وطئ إحداهما تعين التحريم في الأخرى، وتحريم الوطء٣ لا ينافي ملك اليمين، كأخته من الرضاع.
فقال المنازعون لهم: الطلاق لا يوجب التحريم عندكم، فإنَّ الرجعة مباحة، وإنَّما الموجب للتحريم انقضاء العدة واستيفاء العدد،
(٣) "فإنَّه إذا وطئ إحداهما تعين التحريم في الأخرى وتحريم الوطء" مثبت من "أ".
وقد صرح أصحابكم بذلك١.
على أنَّ النكاح - وإن نافاه التحريم - فالملك لا ينافيه التحريم، فهما متساويان في أن الوطء لا يجوز إِلَّا في ملك، وهو متحقق لملك٢ الموطوءة.
فصل
ومن مواضع القرعة ما إذا طلق إحدى نسائه، ومات قبل البيان، فإنَّ الورثة يقرعون بينهنَّ، فمن وقعت عليها القرعة لم ترث، نصَّ عليه٣ في رواية حنبل، وأبي طالب، وابن منصور، ومهنا.
وقال أبو حنيفة: يقسم الميراث بين الجميع٤.
وقال الشافعي: يوقف ميراث الزوجات حتى يصطلحن عليه٥.
ولوازم القولين تدل على صحة القول بالقرعة، فإنَّ لازم القول الأوَّل٦ توريث من يعلم أنَّها أجنبية، فإنَّها مطلقة في حال الصحة