ولازم القول الثاني وقف المال، وتعريضه للفساد والهلاك، وعدم الانتفاع به، وإن كان حيوانًا فربما كانت مؤنته تزيد على أضعاف قيمته، وهذا لا مصلحة فيه ألبتة.
وأيضًا؛ فإنَّهنَّ إذا علمن أنَّ المالَ يهلك إن لم يصطلحن عليه كان ذلك إلجاءً لهنَّ إلى إعطاء غير المستحقة، فالقرعة تخلص من ذلك كله، ومن المعلوم: أنَّ المستحقة للميراث إحداهما دون الأخرى، فوجب أن يقرع بينهما كما يقرع بين العبيد إذا أعتقهم في المرض١، وبين الزوجات إذا أراد السفر بإحداهنَّ٢، والحاكم إنَّما نصب لفصل الأحكام، لا لإيقافها وجعلها معلقة، فتوريث الجميع - على ما فيه - أقرب إلى المصلحة٣ من حبس المال وتعويقه وتعريضه للتلف، مع حاجة مستحقيه إليه.
وأيضًا؛ فإنَّا عهدنا من الشارع أنَّه لم يوقف حكومة قط على
(١) تقدم ذكر دليله ص (٧٤٣).
(٢) انظر: المبسوط (١٥/ ٧)، بدائع الصنائع (٢/ ٣٣٣)، فتح القدير (٣/ ٤٣٥)، لسان الحكام (١/ ٣٢٣)، أحكام القرآن للجصاص (٢/ ٥٨٢)، التمهيد (١٩/ ٢٦٦)، بداية المجتهد (٦/ ٤٩١)، أحكام القرآن لابن العربي (٣/ ٣٧)، أحكام القرآن للشافعي (٢/ ١٦٢)، المهذب (٢/ ٣٦)، الأم (٥/ ٦٠)، متن الغاية والتقريب (٧٥)، روضة الطالبين (٧/ ٣٦٢)، كفاية الأخيار (٢/ ٧٤)، شرح منتهى الإرادات (٣/ ٥٠)، كشاف القناع (٥/ ١٩٩).
(٣) وفي "د": "أقوى للمصلحة".
اصطلاح المتخاصمين، بل يشير عليهما بالصلح، فإن لم يصطلحا فصل الخصومة١، وبهذا تقوم مصلحة النَّاس.
قال المورثون للجميع: قد تساويا في سبب الاستحقاق؛ لأنَّ حجة كل واحدة منهما كحجة الأخرى، فوجب أن يتساويا في الإرث، كما لو أقامت كل واحدة منهما البينة بالزوجية.
قال المقرعون: المستحقة منهما هي الزوجة، والمطلقة غير مستحقة، فكيف يقال: إنَّهما استوتا في سبب٢ الاستحقاق؟ على أنَّهما إذا أقامتا بينتين تعارضتا وسقطتا، وصارتا كمن لا بينة لواحدةٍ منهما.
قال المورثون: قد استحق من ماله ميراث زوجة٣، وليست إحداهما بأن تكون هي المستحقة أولى من الأخرى، فيقسم الإرث بينهما، كرجلين ادعيا دابَّة في يد غيرهما وأقاما بينتين، فإنها تقسم بينهما.
قال المقرعون: هذه هي الشبهة التي تقدمت، والجواب واحد.
قال المورثون لأصحاب القرعة: قد تناقضتم؛ فإنَّكم تقرعون لإخراج المطلقة، فإذا أخرجتموها بالقرعة أوجبتم عليها عدة الوفاة إذا
(١) انظر: صحيح البخاري (٥/ ٤٢) رقم (٢٣٥٩)، ومسلم (١٥/ ١١٦) رقم (٢٣٥٧).