فإنها ترث، فلو طلقهما جميعا ثم أسلمت ورثتا جميعًا، وأما القرعة فلإخراج المطلقة؛ ليتبين أنَّه مات وإحداهما زوجته، والأخرى غير زوجته، فإذا وقعت القرعة على إحداهما تبين أنها أجنبية، وإنما ثبت لها الميراث لكون الطلاق في المرض، والعدة تابعة١ للميراث، وما عدا ذلك فهي فيه أجنبية، حتَّى لو لم ينفق عليها من حين الطلاق إلى حين الموت لم يرجع في تركته بالنفقة.
فإن قيل: فهو غير٢ متهم في حرمان النصرانية؛ لأنه يعلم أنها لا ترث.
قيل: التهمة قائمة؛ لأنها يجوز أن تسلم قبل موته.
وأما قول من قال: للنصرانية ربع الميراث، وللمسلمة ثلاثة أرباعه، فلا يعرف من القائل بهذا، ولا وجه لهذا القول، وتعليله بكونها أسلمت رغبة في الميراث أغرب منه، والله أعلم.
فصل
فإن قيل: فما تقولون فيما رواه جابر بن زيد عن ابن عباس ﵄ في رجل له ثلاث نسوة، فطلق واحدة منهن، ولم يدر أيتهن، ثم مات، قال: "ينالهن من الطلاق ما ينالهن من الميراث"٣،
(١) في "أ": "مامعة".
(٢) "غير" ساقطة من "ب" و"د" و"هـ".
(٣) رواه ابن أبي شيبة (٤/ ١٨٠) رقم (١٩٠٥٥)، وسعيد بن منصور (١/ ٢٨٣) رقم (١١٧١)، والبيهقي (٧/ ٥٩٧).
وما معنى ذلك؟
قيل: قد سئل عنه أبو عبيد فقال: معناه: يقع الطلاق عليهن، ويرثن جميعًا١.
وقال إسحاق بن منصور: قلت لأحمد: حديث عمرو بن هرم٢: "ينالهن من الطلاق ما ينالهن من الميراث"؟٣ قال: أليس يرثن جميعا؟ قلت: بلى، قال: كذلك يقع عليهن الطلاق٤.
وهذا لا يدل على أن ذلك قول أحمد، ولا مذهبه، وإنما ذكره تفسيرًا لا مذهبًا، وهذا قد يحتج به مالك ومن قال بقوله في وقوع الطلاق على الجميع٥.
قلت: ويحتمل كلامه معنى آخر، وهو أن يكون المراد وقوع الطلاق على واحدة منهن تعين بالقرعة أو بغيرها، كما يحرم الميراث واحدة منهن، فيكون ما ينالهن من حكم الطلاق مثل الذي ينالهن من
(١) غريب الحديث (٤/ ٢٣٤). وانظر: سنن البيهقي (٧/ ٥٩٧)، والنهاية في غريب الحديث (٥/ ١٤٢)، لسان العرب (١١/ ٦٨٥).
(٢) عمرو بن هرم الأزدي البصري، وثَّقه أحمد وابن معين، صلَّى عليه قتادة بعدما دفن - رحمه الله تعالى -. انظر: الجرح والتعديل (٦/ ٢٦٧)، تهذيب الكمال (٢٢/ ٢٧٦)، تهذيب التهذيب (٨/ ٩٤).
(٣) تقدم تخريجه قريبًا.
(٤) مسائل الإمام أحمد رواية إسحاق بن منصور (١/ ٥٠٧).