والرواية الثانية١: تقدم إحداهما بالقرعة، وهو قول للشافعي٢.
وله قول رابع٣: يوقف الأمر حتَّى يتبين٤، وهو قول أبي ثور٥؛ لأنَّه اشتبه الأمر، فوجب التوقف، كالحاكم إذا لم يتضح له الحكم في القضية.
ولنا: الخبران، وأنَّ تعارض الحجتين لا يوجب التوقف، كالخبرين، بل إذا تعذر الترجيح أسقطناهما، ورجعنا إلى دليل غيرهما٦.
قلت: قال الشافعي في كتابه٧: هذه المسألة فيها قولان: أحدهما يقرع بينهما، فأيهما خرج سهمه حلف لقد شهد شهوده بحق، ثمَّ يقضى له، وكان ابن المسيب يرى ذلك٨، ويرويه عن النبي ﷺ٩،
(١) انظر: الهداية (٢/ ١٣٩)، قواعد ابن رجب (٣/ ٢٥٤)، الفروع (٦/ ٥٢١)، الشرح الكبير (٢٩/ ١٨٧).
قلت٢: حديث سعيد بن المسيب: "اختصم رجلان إلى رسول الله ﷺ في أمر، فجاء كل واحد منهما بشهداء عدول على عدة واحدة، فأسهم بينهما رسول الله ﷺ وقال: الَّلهم أنت تقضي بينهما، فقضى للَّذي خرج له السهم" رواه أبو داود في "المراسيل"٣.
ويقويه ما رواه ابن لهيعة عن أبي الأسود٤ عن عروة وسليمان بن يسار: "أنَّ رجلين اختصما إلى النبي ﷺ فأتى كل واحد منهما بشهود، وكانوا سواء، فأسهم بينهما رسول الله ﷺ"٥.
فهذا مرسل قد روي من وجهين مختلفين، وهو من مراسيل ابن المسيب، وتشهد له الأصول التي ذكرناها في القرعة، والمصير إليه متعين.
وأمَّا ما أشار إليه عن علي، فهو ما رواه أبو عوانة عن سماك عن
(١) سيأتي نصه وتخريجه قريبًا.
(٢) "قلت" مثبتة من "أ" و"ب".
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) محمد بن عبد الرحمن بن نوفل بن الأسود القرشي الأسدي أبو الأسود، وثَّقه أبو حاتم والنسائي وغيرهما. توفي سنة بضع وثلاثين ومائة ﵀. انظر: الجرح والتعديل (٧/ ٣٢١)، تهذيب الكمال (٢٥/ ٦٤٥)، سير أعلام النبلاء (٦/ ١٥٠).