هذه رسالة كتبها شيخنا الإمام العالم الحَبْر العلّامة شيخ الإسلام شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد، المعروف بابن قيم الجوزية، تغمده الله برحمته، إلى بعض إخوانه، وسمّاها "الكلم الطيب والعمل الصالح"، وهي كما سمّاها١.
قال:
﷽
اللهُ ﷾ المسئُول٢ المرجوُّ الإجابة أن يتولاكم في الدنيا والآخرة، وأن يُسْبِغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنةً٣، وأن يجعلكم ممن إذا أنْعَم الله عليه شكر، وإذا ابْتُلِيَ صبر، وإذا أذنب استغفر؛ فإن هذه الأمور الثلاثة هي عُنوان سعادة العبد، وعلامة فلاحه في دنياه وأخراه، ولا يَنْفَكُّ عبدٌ عنها أبدًا، فإنّ العبد دائمًا يتقلَّبُ بين هذه الأطباق الثلاث.
نِعَمٌ من الله تعالى تترادف عليه، فَقَيْدُها الشكر، وهو مبنيّ على ثلاثة أركان: الاعتراف بها باطنًا، والتحدث بها ظاهرًا، وتصريفها في مرضاة
(١) هذه المقدمة انفردت بها النسخة (ت).
(٢) (ت): "الله سبحانه المرجوّ".
(٣) (ت) و(ق): "باطنة وظاهرة".
وَليِّها ومُسْدِيها ومعطيها١. فإذا فعل ذلك فقد شكرها، مع تقصيره في شكرها٢.
الثاني: مِحَنٌ من الله تعالى يبتليه بها، ففرضُه فيها الصبر والتسليم٣.
والصبر: حبس النفس عن التَّسخُّط بالمقدور، وحبس اللِّسان عن الشكوى، وحبس الجوارح عن المعصية٤، كاللَّطْم، وشق الثياب، ونتف الشعر، ونحو ذلك.
فمدار الصبر على هذه الأركان الثلاثة، فإذا قام بها٥ العبد كما ينبغي انقلبت المحنة في حقه منحة، واستحالت البلية عطية، وصار المكروه محبوبًا؛ فإن الله ﷾ لم يَبْتلِهِ ليُهْلِكه، وإنما ابتلاه ليمتحن صبره وعبوديّته، فإن لله تعالى على العبد عبوديةً في الضراء، كما له عليه عبودية في السراء، وله عليه عبودية فيما يكره، كما له عليه عبودية فيما يُحِبّ، وأكثر الخلق يُعْطُون العبودية فيما يُحِبُّون، والشأنُ في إعطاء العبودية في المكاره، فَبِه تَفاوتَتْ٦ مراتبُ العباد، وبِحَسَبه
(١) "ومعطيها" من (ح).
(٢) ذكر المصنّف رحمه الله تعالى في "مدارج السالكين" (٢/ ٢٥٤) أنّ الشكر مبنيّ على خمس قواعد: الثلاث المذكورة هنا، وخضوع الشاكر للمشكور، وحبُّه له.
(٣) (ح) و(ق): "والتسلّي"، وفي (م): "التسليم والصبر".
(٤) "المعصية" ساقطة من (ت).
(٥) (ح) و(ق): "به".
(٦) (ت): "ففيه تتفاوت"، وفي (ح): "ففيه تفاوت"، وفي (ق): "ففيه تفاوتت".