وإن قلتَ: يَسْرق١ من بيت الملك، كان ذلك كالمستحيل الممتنع؛ فإنّ عليه من الحرس واليَزَكِ٢ ما لا يستطيع اللص الدُّنُوَّ منه، كيف وحارسه الملك بنفسه؟!، وكيف يستطيع اللص الدُّنُوَّ منه وحوله من الحرس والجند ما حوله؟!
فلم يبق لِلِّصِّ إلا البيت الثالث، فهو الذي يَشُنُّ عليه الغارة.
فليتأمل اللبيب هذا المثال حق التأمل، ولينزله على القلوب، فإنها على منواله.
فقلبٌ خلا من الخير كله، وهو قلب الكافر والمنافق، فذلك بيت الشيطان، قد أحرزه لنفسه واستوطنه، واتخذه سكنًا ومستقرًّا، فأيُّ شيء يسرق منه، وفيه خزائنه وذخائره، وشكوكه وخيالاته ووساوسه؟!
وقلبٌ قد امتلأ من جلال الله ﷿ وعظمته، ومحبته ومراقبته، والحياء منه، فأيُّ شيطان يجترئ على هذا القلب؟!، وإن أراد سرقة شيء منه، فماذا يسرق؟!، وغايته أن يظفر في الأحايين منه بخَطْفَةٍ ونَهْبَةٍ تحصل له على غِرَّةٍ من العبد وغفلةٍ لابد له منها؛ إذْ هو بشر، وأحكام البشرية جارية عليه من الغفلة والسهو، والذهول وغلبة الطبع.
= العلاء بن زيادٍ، قريبًا منه. ولم أقف عليه من قول ابن عباس ﵄.
وقد ذُكِر عن وهب بن منبه رحمه الله تعالى أنه قال: في بعض الكتب الإلهية١: "لست أسكن البيوت، ولا تَسَعُني، وأيُّ بيت يسعني والسمواتُ حشو كُرْسِيِّي؟ ولكن أنا في قلب المؤمن٢ الوادع التارك لكل شيء سواي"٣.
وهذا معنى الأثر الآخر: "ما وسعتني سمواتي ولا أرضي، ووسعني قلب عبدي المؤمن"٤.
وقلبٌ فيه توحيد الله تعالى ومعرفته ومحبته، والإيمان به والتصديق بوعده ووعيده، وفيه شهوات النفس وأخلاقها، ودواعي الهوى والطبع.
وقلبٌ بين هذين الداعيين، فمرة يميل بقلبه داعي الإيمان والمعرفة، والمحبة لله تعالى وإرادته وحده، ومرة يميل بقلبه داعي الهوى والشيطان والطِّباع، فهذا القلب للشيطان فيه مطمع، وله منه منازلات ووقائع، ويُعْطِي الله النصر لمن يشاء ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
(١) "في بعض الكتب الإلهية" من (ح) و(م) و(ق).
(٢) "المؤمن" من (م)، وهي في رواية "الزهد" لأحمد.
(٣) أخرجه أحمد في "الزهد" (٨١)، وأبو نعيم في "الحلية" (٤/ ٢٤)، وأبو الشيخ في "العظمة" (٢/ ٤٢٩ - ٤٣٠).
(٤) قال شيخ الإسلام ابن تيمية -كما في "مجموع الفتاوى" (١٨/ ١٢٢، ٣٧٦) -: "هذا مذكور في الإسرائيليات، ليس له إسناد معروف عن النبي ﷺ". وقال العراقي في "المغني عن حمل الأسفار" (٢/ ٧١٣): "لم أر له أصلًا". وأورده الديلميُّ في "الفردوس" (٣/ ٢١٣) عن أنسٍ، ولم يسنده ابنه.