الوابل الصيب

وقد ذُكِر عن وهب بن منبه رحمه الله تعالى أنه قال: في بعض الكتب الإلهية١: "لست أسكن البيوت، ولا تَسَعُني، وأيُّ بيت يسعني والسمواتُ حشو كُرْسِيِّي؟ ولكن أنا في قلب المؤمن٢ الوادع التارك لكل شيء سواي"٣.

وهذا معنى الأثر الآخر: "ما وسعتني سمواتي ولا أرضي، ووسعني قلب عبدي المؤمن"٤.

وقلبٌ فيه توحيد الله تعالى ومعرفته ومحبته، والإيمان به والتصديق بوعده ووعيده، وفيه شهوات النفس وأخلاقها، ودواعي الهوى والطبع.

وقلبٌ بين هذين الداعيين، فمرة يميل بقلبه داعي الإيمان والمعرفة، والمحبة لله تعالى وإرادته وحده، ومرة يميل بقلبه داعي الهوى والشيطان والطِّباع، فهذا القلب للشيطان فيه مطمع، وله منه منازلات ووقائع، ويُعْطِي الله النصر لمن يشاء ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ

  1. (١) "في بعض الكتب الإلهية" من (ح) و(م) و(ق).
  2. (٢) "المؤمن" من (م)، وهي في رواية "الزهد" لأحمد.
  3. (٣) أخرجه أحمد في "الزهد" (٨١)، وأبو نعيم في "الحلية" (٤/ ٢٤)، وأبو الشيخ في "العظمة" (٢/ ٤٢٩ - ٤٣٠).
  4. (٤) قال شيخ الإسلام ابن تيمية -كما في "مجموع الفتاوى" (١٨/ ١٢٢، ٣٧٦) -: "هذا مذكور في الإسرائيليات، ليس له إسناد معروف عن النبي ﷺ".
    وقال العراقي في "المغني عن حمل الأسفار" (٢/ ٧١٣): "لم أر له أصلًا".
    وأورده الديلميُّ في "الفردوس" (٣/ ٢١٣) عن أنسٍ، ولم يسنده ابنه.
55

الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١٢٦)﴾ [آل عمران: ١٢٦].

وهذا لا يتمكن الشيطان منه إلا بما عنده من سلاحه، فيدخل الشيطان إليه فيجد سلاحه عنده فيأخذه ويقاتله به؛ فإنّ أسلحته هي الشهوات والشبهات، والخيالات والأماني الكاذبة، وهي في القلب، فيدخل الشيطان فيجدها عنده فيأخذها ويصول بها على القلب؛ فإنْ كان عند العبد عُدَّةٌ عتيدة من الإيمان تقاوم تلك العُدَّةِ وتزيد عليها، انتصف من الشيطان، وإلا فالدولة لعدوه عليه، ولا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم.

فإذا أَذِنَ العبدُ لعدوه، وفتح له باب بيته، وأدخله عليه، ومَكَّنه من السلاح يقاتله به، فهو المَلُوم.

فنَفْسَك لُمْ ولا تَلُمِ المطاياومُتْ كمدًا فليس لك اعتذارُ١
  1. (١) البيت في "الزهرة" لمحمد بن داود (١/ ٤٩٤)، و"المدهش" لابن الجوزي (٢٩٣) دون نسبة. إلا أنه قال في "الزهرة": "ولبعض أهل هذا العصر. . ." فذكره ضمن أبياتٍ. ويرى المسعوديُّ في "مروج الذهب" (٥/ ١٩٦) أن محمد بن داود كان يعزو شعره في كتابه لبعض أهل عصره. قلت: وهذا صنعه غيرُ واحد.
56

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي