الوابل الصيب

والجهل، فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه"١، وفي الحديث: "رُبَّ صائمٍ حظُّه من صيامه الجوع والعطش"٢.

فالصوم هو صوم الجوارح عن الآثام، وصوم البطن عن الشراب والطعام، فكما أن الطعام والشراب يقطعه ويفسده، فكذلك الآثام تقطع ثوابه وتفسد ثمرته، فتُصيِّره بمنزلة من لم يَصُمْ.

وقد اخْتُلِفَ في وجود هذه الرائحة من الصائم، هل هي في الدنيا، أو في الآخرة؟ على قولين.

وقد وقع بين الشيخين الفاضلين أبي محمد بن عبد السلام وأبي عمرو بن الصلاح في ذلك تنازع٣، فمال أبو محمد إلى أن تلك في الآخرة خاصة، وصنف فيه مصنفًا٤، ومال الشيخ٥ أبو عمرو إلى أن

  1. (١) أخرجه البخاري (٦٠٥٧) من حديث أبي هريرة ﵁.
  2. (٢) أخرجه النسائي في "الكبرى" (٣٢٣٦، ٣٢٣٧)، وابن ماجه (١٦٩٠)، وأحمد (٣/ ٣٧٩)، والدارمي (٢٦٢٠) وغيرهم من حديث أبي هريرة ﵁ واللفظ لأحمد.
    وصحّحه ابن خزيمة (١٩٩٧)، والحاكم (١/ ٤٣١) على شرط البخاري، ولم يتعقبه الذهبي.
  3. (٣) انظر له: "المجموع" للنووي (١/ ٣٣١ - ٣٣٢)، و"البدر المنير" لابن الملقّن (٣/ ٨٢ - ٨٥)، و"فتح الباري" لابن حجر (٤/ ١٢٨)، و"طرح التثريب" (٤/ ٩٦ - ٩٧).
  4. (٤) لم أر من ذكره له، كما لم أقف له على كلام في هذه المسألة في كتبه، وفتاويه المصريّة والموصليّة.
  5. (٥) "الشيخ" من (ح) و(م) و(ق).
58

ذلك في الدنيا والآخرة، وصنف فيه مصنفًا رد فيه على أبي محمد١.

وسلك أبو عمرو في ذلك مسلك أبي حاتم بن حبان؛ فإنه في "صحيحه" بَوَّبَ عليه كذلك، فقال: "ذكر البيان بأن خُلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك"، ثم ساق حديث الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ، قال: "كُلُّ عمل ابن آدم له إلا الصيام، والصيام لي، وأنا أجزي به، وَلَخُلوف٢ فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك"٣.

ثم قال: "ذكر البيان بأن خُلوف٤ فم الصائم يكون أطيب عند الله من ريح المسك يوم القيامة"، ثم ساق حديثًا من حديث ابن جريج، عن عطاء، عن أبي صالح الزيات أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ: "قال الله تعالى: كل عمل ابن آدم له، إلا الصيام، فإنه لي٥، وأنا أجزي به، والذي نفس محمد بيده لَخُلوف فم الصائم أطيب عند الله يوم القيامة من ريح المسك. للصائم فرحتان: إذا أفطر فرح

  1. (١) لم أر من ذكره له، وانظر لقوله في هذه المسألة: رسالة "بيان صحة الفتاوى التي صدرت من الشيخ ابن الصّلاح" (١/ ٩٦ - ١٠٨ ضمن فتاوى ومسائل ابن الصلاح ط القلعجي) لأحد تلاميذه، ولعلّه كمالُ الدّين إسحاق بن أحمد المعرّي.
  2. (٢) انظر لتحرير ضبط الخاء من (خُلوف): "عجالة الإملاء" للناجي (٢١٨ - ٢١٩).
  3. (٣) "صحيح ابن حبان" (٨/ ٢١٠ برقم ٣٤٢٢ - الإحسان).
    والحديث أخرجه مسلم بهذا الإسناد (١١٥١/ ١٦٤).
  4. (٤) ليست في مطبوعة "الإحسان".
  5. (٥) في مطبوعة "الإحسان": "فهو لي".
59

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي