الوابل الصيب

القيامة"١.

قلت: ويشهد لقوله: الحديثُ المتفق عليه "والذي نفسي بيده ما من مكلوم يُكْلَمُ في سبيل الله -والله أعلم بمن يُكْلَمُ في سبيله- إلا جاء يوم القيامة وَكَلْمُه يَدْمَى، اللون لون دم، والريح ريح مسك"٢.

فأخبر ﷺ عن رائحة كَلْمِ المكلوم في سبيل الله ﷿ بأنها كريح المسك يوم القيامة، وهو نظير إخباره عن خُلوف فم الصائم؛ فإن الحِسّ يدل على أن هذا دم في الدنيا، وهذا خُلوف٣، ولكنْ يجعل الله تعالى رائحة هذا وهذا مِسْكًا يوم القيامة.

واحتج الشيخ أبو عمرو بما ذكره أبو حاتم في "صحيحه" من تقييدِهِ ذلك بوقت إخلافه، وذلك يدل على أنه في الدنيا، فلما قَيَّد المبتدأ وهو"خُلوف فم الصائم" بالظرفِ وهو قوله: "حين يخلف" = كان الخبر عنه -وهو قوله: "أطيب عند الله"- خبرًا عنه في حال تقييده؛ فإنّ٤ المبتدأ إذا تقيد بوصفٍ أو حالٍ أو ظرفٍ كان الخبر عنه حال كونه مقيدًا، فدل على أن طِيبه عند الله تعالى ثابتٌ حال إخلافه.

قال: وروى الحسن بن سفيان في "مسنده" عن جابر أن النبي ﷺ قال: "أُعْطِيَتْ أمتي في شهر رمضان خمسًا. . ." فذكر الحديث، وقال فيه: "وأما الثانية: فإنهم يُمْسُون وريح أفواههم أطيب عند الله من ريح

  1. (١) وقد تقدم قريبًا.
  2. (٢) صحيح البخاري (٢٣٧، ٢٨٠٣)، ومسلم (١٨٧٦) عن أبي هريرة ﵁.
  3. (٣) (ح): "خلوف له".
  4. (٤) (ت) و(ق): "لأنّ".
61

المسك"١.

ثم ذكر كلام الشُّرّاح في معنى طِيبه، وتأويلَهم إياه بالثناء على الصائم والرضى بفعله٢، على عادة كثير منهم بالتأويل من غير ضرورة، حتى كأنه قد بُورِكَ له فيه٣، فهو مُوَكَّلٌ به!.

وأيُّ ضرورة تدعو٤ إلى تأويل كونه أطيب عند الله من ريح المسك بالثناء على فاعله والرضى بفعله، وإخراج اللفظ عن حقيقته؟!

وكثيرٌ من هؤلاء يُنْشِئ للّفظ معنى، ثم يدَّعي إرادة ذلك المعنى بلفظِ النصّ، من غير نظرٍ منه إلى استعمال ذلك اللفظ في المعنى الذي عَيَّنه، أو احتمالِ اللغة له.

  1. (١) أخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" (٧/ ٢١١)، و"فضائل الأوقات" (٣٦)، وابن شاهين في "فضائل شهر رمضان" (١٩)، والأصبهاني في "الترغيب والترهيب" (١٨٢٠) بإسنادٍ ضعيف.
    وقال المنذري في "الترغيب والترهيب" (٢/ ٢٠): "إسناده مقارب، أصلح ممّا قبله".
    وقال الدمياطي في "المتجر الرابح" (٣٤٩): "إسناده لا بأس به إن شاء الله".
    ورواه أبو بكر السمعانيُّ في "أماليه" -ولم أقف على إسناده- وقال: "هذا حديث حسن"، كما في "المجموع" للنووي (١/ ٣٣١).
  2. (٢) انظر: "أعلام الحديث" للخطابي (٢/ ٩٤٠)، و"شرح السنة" للبغوي (٦/ ٢٢٢)، ورسالة "بيان صحّة الفتاوى التي صدرت من الشيخ ابن الصلاح" (١/ ١٠٥ - ١٠٦ ضمن فتاوى ومسائل ابن الصلاح).
  3. (٣) "له" من (م) و(ق)، والضمير يعود إلى الكثير من الشُّراح. وقوله: "فيه" أي: في التأويل من غير ضرورة.
  4. (٤) "تدعو" من (ح) و(م) و(ق).
62

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي