الوابل الصيب

المسك"١.

ثم ذكر كلام الشُّرّاح في معنى طِيبه، وتأويلَهم إياه بالثناء على الصائم والرضى بفعله٢، على عادة كثير منهم بالتأويل من غير ضرورة، حتى كأنه قد بُورِكَ له فيه٣، فهو مُوَكَّلٌ به!.

وأيُّ ضرورة تدعو٤ إلى تأويل كونه أطيب عند الله من ريح المسك بالثناء على فاعله والرضى بفعله، وإخراج اللفظ عن حقيقته؟!

وكثيرٌ من هؤلاء يُنْشِئ للّفظ معنى، ثم يدَّعي إرادة ذلك المعنى بلفظِ النصّ، من غير نظرٍ منه إلى استعمال ذلك اللفظ في المعنى الذي عَيَّنه، أو احتمالِ اللغة له.

  1. (١) أخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" (٧/ ٢١١)، و"فضائل الأوقات" (٣٦)، وابن شاهين في "فضائل شهر رمضان" (١٩)، والأصبهاني في "الترغيب والترهيب" (١٨٢٠) بإسنادٍ ضعيف.
    وقال المنذري في "الترغيب والترهيب" (٢/ ٢٠): "إسناده مقارب، أصلح ممّا قبله".
    وقال الدمياطي في "المتجر الرابح" (٣٤٩): "إسناده لا بأس به إن شاء الله".
    ورواه أبو بكر السمعانيُّ في "أماليه" -ولم أقف على إسناده- وقال: "هذا حديث حسن"، كما في "المجموع" للنووي (١/ ٣٣١).
  2. (٢) انظر: "أعلام الحديث" للخطابي (٢/ ٩٤٠)، و"شرح السنة" للبغوي (٦/ ٢٢٢)، ورسالة "بيان صحّة الفتاوى التي صدرت من الشيخ ابن الصلاح" (١/ ١٠٥ - ١٠٦ ضمن فتاوى ومسائل ابن الصلاح).
  3. (٣) "له" من (م) و(ق)، والضمير يعود إلى الكثير من الشُّراح. وقوله: "فيه" أي: في التأويل من غير ضرورة.
  4. (٤) "تدعو" من (ح) و(م) و(ق).
62

ومعلوم أن هذا يتضمن الشهادة على الله تعالى ورسوله ﷺ بأن مراده من كلامه كيت وكيت، فإن لم يكن ذلك معلومًا بوضع اللفظ لذلك المعنى، أو عُرْفِ الشارع ﷺ، أوْ عادته المطردة أو الغالبة باستعمال ذلك اللفظ في هذا المعنى، أو تفسيره له به = وإلا كانت شهادة١ باطلة، وأدنى أحوالها أن تكون شهادة بلا علم.

ومن المعلوم أن أطيب ما عند الناس من الرائحة رائحة المسك، فمَثَّل النبي ﷺ طيب هذا الخُلوف عند الله تعالى بطيب رائحة المسك عندنا، وأعظم.

ونسبةُ استطابة ذلك إليه ﷾ كنسبة سائر صفاته وأفعاله إليه؛ فإنها استطابةٌ لا تماثل استطابة المخلوقين، كما أن رضاه وغضبه وفرحه وكراهته وحبه وبغضه لا تماثل ما للمخلوق من ذلك، كما أن ذاته ﷾ لا تشبه ذوات خلقه، وصفاته٢ لا تشبه صفاتهم، وأفعاله لا تشبه أفعالهم، وهو ﷾ يستطيب الكلمَ الطيب فيصعد إليه، والعملَ الصالح فيرفعه، وليست هذه الاستطابة كاستطابتنا٣.

ثم إن تأويله لا يرفع الإشكال؛ إذْ ما استشكله هؤلاء من الاستطابة يلزم مثله في الرِّضى؛ فإن قالوا: رضاهُ ليس كرضى المخلوقين،

  1. (١) (ت) و(م): "شهادته"
  2. (٢) (ت) و(ق): "فصفاته".
  3. (٣) لم أر من تعرّض لتحقيق القول في هذه الصفة غير ابن القيّم رحمه الله تعالى في هذا الموضع.
63

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي