طيب المسك في اليوم الذي يظهر فيه طيب دم الشهيد، ويكون كرائحة المسك، ولا ريب أن ذلك يوم القيامة؛ فإن الصائم في ذلك اليوم يجيءُ ورائحة فمه أطيب من رائحة المسك، كما يجيء المكلوم في سبيل الله ﷿ ورائحة دمه١ كذلك، لا سيما والجهاد أفضل من الصيام؛ فإذا كان طِيب رائحته إنما يظهر يوم القيامة فكذلك الصائم٢.
وأما حديث جابر: "فإنهم يُمْسُون وخلوف أفواههم أطيب من ريح المسك" فهذه جملة حالية لا خبرية، فإن خبر "أمسى"٣ لا يقترن بالواو؛ لأنه خبر مبتدأ، فلا يجوز اقترانه بالواو. وإذا كانت الجملة حاليَّةً فلأبي محمد أن يقول: هي حالٌ مقدَّرة، والحالُ المقدرة يجوز تأخيرها عن زمن الفعل العامل فيها، ولهذا لو صَرَّح بيوم القيامة في مثل هذا، فقال: "يمسون وخلوف أفواههم أطيب من ريح المسك يوم القيامة" لم يكن التركيب فاسدًا، كأنه قال: "يمسون وهذا لهم يوم القيامة".
وأما قوله: "لَخُلوف فم الصائم حين يخلف" فهذا الظَّرفُ تحقيقٌ لمعنى المبتدأ٤، وتأكيد له، وبيان إرادة الحقيقة المفهومة منه، لا مَجازُه ولا استعارته٥، وهذا كما تقول: جهاد المؤمن حين يجاهد، وصلاته حين يصلي يجزيه الله تعالى بها يوم القيامة، ويرفع بها درجته
(١) من قوله: "أطيب من رائحة المسك" إلى هنا، ساقط من (ت).
(٢) (ت): "الصيام".
(٣) (ح) وأكثر مطبوعات الكتاب: "إمسائه"، وهو خطأ
(٤) (ت) و(ح) و(ق): "للمبتدأ".
(٥) (ت): "لا مجاز ولا استعارة".
يوم القيامة. وهذا قريب من قوله ﷺ: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن"١.
وليس المراد تقييد نفى الإيمان المطلق عنه حالة مباشرته تلك الأفعال فقط، بحيث إذا كَمُلَتْ مباشرته وانقطع فعله عاد إليه الإيمان، بل هذا النفي مستمر إلى حين التوبة، وإلا فما دام مُصِرًّا وإن لم يباشر الفعل٢ فالنفي لاحِقٌ به، ولا يزول عنه اسم الذم والأحكام المترتبة على المباشرة إلا بالتوبة النصوح، والله ﷾ أعلم.
قلتُ٣: وفصلُ النزاع في المسألة أن يقال: حيث أخبر النبي ﷺ بأن ذلك الطِّيب يكون يوم القيامة؛ فلأنه الوقت الذي يظهر فيه ثواب الأعمال ومُوجِباتها من الخير والشر، فيظهر للخلق طِيبُ ذلك الخُلوف على المسك، كما يظهر فيه رائحة دم المكلوم في سبيله٤ كرائحة المسك، وكما تظهر فيه السرائر وتبدو على الوجوه وتصير علانية، ويظهر٥ فيه قبح رائحة الكفار وسواد وجوههم.
وحيثُ أخبر بأن ذلك "حين يَخْلُف" و"حين يُمْسُون"؛ فلأنه وقت ظهور أثر العبادة، ويكون حينئذ طِيبُها زائدًا على ريح المسك عند الله
(١) أخرجه البخاري (٦٨١٠)، ومسلم (٥٧) من حديث أبي هريرة ﵁، وتكملة الحديث: "والتوبةُ معروضةٌ بَعْدُ".
(٢) (م): "مصرًّا على مباشرة الفعل"، وهو خطأ، والمثبت من (ت) و(ح) و(ق).