يوم القيامة. وهذا قريب من قوله ﷺ: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن"١.
وليس المراد تقييد نفى الإيمان المطلق عنه حالة مباشرته تلك الأفعال فقط، بحيث إذا كَمُلَتْ مباشرته وانقطع فعله عاد إليه الإيمان، بل هذا النفي مستمر إلى حين التوبة، وإلا فما دام مُصِرًّا وإن لم يباشر الفعل٢ فالنفي لاحِقٌ به، ولا يزول عنه اسم الذم والأحكام المترتبة على المباشرة إلا بالتوبة النصوح، والله ﷾ أعلم.
قلتُ٣: وفصلُ النزاع في المسألة أن يقال: حيث أخبر النبي ﷺ بأن ذلك الطِّيب يكون يوم القيامة؛ فلأنه الوقت الذي يظهر فيه ثواب الأعمال ومُوجِباتها من الخير والشر، فيظهر للخلق طِيبُ ذلك الخُلوف على المسك، كما يظهر فيه رائحة دم المكلوم في سبيله٤ كرائحة المسك، وكما تظهر فيه السرائر وتبدو على الوجوه وتصير علانية، ويظهر٥ فيه قبح رائحة الكفار وسواد وجوههم.
وحيثُ أخبر بأن ذلك "حين يَخْلُف" و"حين يُمْسُون"؛ فلأنه وقت ظهور أثر العبادة، ويكون حينئذ طِيبُها زائدًا على ريح المسك عند الله
(١) أخرجه البخاري (٦٨١٠)، ومسلم (٥٧) من حديث أبي هريرة ﵁، وتكملة الحديث: "والتوبةُ معروضةٌ بَعْدُ".
(٢) (م): "مصرًّا على مباشرة الفعل"، وهو خطأ، والمثبت من (ت) و(ح) و(ق).
(٣) "قلت" من (م).
(٤) (ت) و(م): "الشهيد في سبيل الله".
(٥) (ت): "وتظهر".
تعالى وعند ملائكته، وإن كانت تلك الرائحة كريهةً للعباد، فَرُبَّ مكروهٍ عند الناس محبوبٍ عند الله تعالى، وبالعكس؛ فإن الناس يكرهونه لمنافرته طباعهم، والله تعالى يستطيبه ويحبه لموافقته أمره ورضاه ومحبته، فيكون عنده أطيب من ريح المسك عندنا، فإذا كان يوم القيامة ظهر هذا الطيب للعباد، وصار علانية، وهكذا سائر آثار١ الأعمال من الخير والشر، وإنما يكمل ظهورها ويصير علانية في الآخرة.
وقد يَقْوَى العملُ ويتزايد حتى يستلزم ظهور بعض أثره على العبد في الدنيا في الخير والشر، كما هو مُشاهَدٌ بالبصر والبصيرة.
قال ابن عباس ﵄: "إن للحسنة ضياءً في الوجه، ونورًا في القلب، وقوّةً في البدن، وسَعَةً في الرزق، ومحبةً في قلوب الخلق، وإن للسيئة سَوادًا في الوجه، وظلمةً في القلب، وَوَهَنًا في البدن، ونقصًا في الرزق، وبِغْضَةً في قلوب الخلق"٢.
وقال عثمان بن عفان ﵁: "ما عمل رجل عملًا إلا ألبسه
(١) "آثار" من (ح) و(ق).
(٢) ورد قريبًا منه عند ابن أبي شيبة في "المصنّف" (١٣/ ٥٠٠) من قول الحسن البصري. وعند أبي نعيم في "الحلية" (٣/ ٣٠) من قول سليمان التيمي. وعنده -أيضًا- (٧/ ٣٣٠) من قول الحسن بن صالح. ولم أقف عليه من قول ابن عباس ﵄. وروي مرفوعًا، ولا يصحّ. انظر: "تبييض الصحيفة" (١/ ١٣٤ - ١٣٦) لمحمد عمرو عبد اللطيف.