وقال عمر بن الخطاب ﵁: "ذُكِر لي أن الأعمال تتباهى، فتقول الصدقة: أنا أفضلكم"١.
وفي "الصحيحين" عن أبي هريرة قال: "ضَرب رسولُ الله ﷺ مَثَل البخيل والمُتَصَدِّق كمَثَلِ رجلين عليهما جُبَّتان من حديد، أو جُنَّتان من حديد، قد اضطرت أيديهما إلى ثُدِيِّهما وتراقيهما، فجعلَ المتصدقُ كلما تصدَّق بصدقةٍ انبسطت عنه حتى تُغَشِّي أنامِلَهُ، وتَعْفُوَ أثره، وجعل البخيلُ كلما هَمَّ بصدقة، قَلَصت وأخذت كل حلْقة مكانها".
قال أبو هريرة: فأنا رأيت رسول الله ﷺ يقول بإصبعه هكذا في جَيْبِه، فلو رأيته يُوسعها ولا تتّسع٢.
وروى البخاري هذا الحديث في كتاب الزكاة عن أبي هريرة أيضًا، ولفظه: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "مَثَلُ البخيل والمنفق كمَثَلِ رجلين عليهما جبتان من حديد، من ثُدِيِّهما إلى تراقيهما، فأما المنفق فلا ينفق إلا سَبَغَتْ أو وَفَرَتْ على جلده حتى تُخْفِي بنَانه، وتعفو أثره، وأما البخيل فلا يريد أن ينفق شيئًا إلا لَزِقَتْ كل حلقة مكانها، فهو يوسعها ولا
(١) أخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" (٦/ ٥٠٥)، وابن خزيمة (٤/ ٩٥) وقال: "إن صحّ الخبر؛ فإني لا أعرف أبا قرّة (وتصحّف في المطبوع إلى "أبا فروة") بعدالة ولا جرح". لكنْ؛ صحّحه الحاكم في "المستدرك" (١/ ٤١٦) على شرط الشيخين، ولم يتعقبه الذهبي، فهذا توثيق ضمنيٌّ لأبي قرّة. وانظر: "مسند الفاروق" لابن كثير (١/ ١٧٦)، و(٢/ ٥٩٤ - ٥٩٥).
(٢) صحيح البخاري (٥٧٩٧)، ومسلم (١٠٢١).
تتسع"١.
وروى عن أبي بردة عن أبيه عن النبي ﷺ قال: "على كل مسلم صدقة" قالوا: يا رسول الله، فمن لم يجد؟ قال: "يعمل بيده، فينفع نفسه ويتصدق" قالوا: فإن لم يجد؟ قال: "يُعِين ذا الحاجة الملهوف" قالوا: فإن لم يجد؟ قال: "فليعمل بالمعروف، وَلْيُمْسِك عن الشر؛ فإنها له صدقة٢ "٣.
ولما كان البخيل محبوسًا عن الإحسان، ممنوعًا عن البِر والخير، كان جزاؤه من جنس عمله؛ فهو ضَيِّقُ الصدر، ممنوعٌ من الانشراح، ضَيِّق العَطَن، صغير النفس، قليل الفرح، كثير الهم والغم والحزن، لا يكاد تُقْضَى له حاجة، ولا يُعان على مطلوب.
فهو كرجل عليه جبة من حديد، قد جُمِعت يداه إلى عنقه بحيث٤ لا يتمكن مِن٥ إخراجها ولا حركتها، وكلما أراد إخراجها، أو توسيع تلك الجبة لزمت كل حَلقة من حِلَقها موضعها.
وهكذا البخيل كلما أراد أن يتصدق مَنَعَهُ البخل، فيبقى قلبه في سجنه كما هو، والمتصدقُ كلما تصدق بصدقة انشرح لها قلبه، وانفسح بها صدره، فهو بمنزلة اتساع تلك الجُبّة عليه، فكلما تصدق اتسع
(١) "صحيح البخاري" (١٤٤٣).
(٢) "صحيح البخاري" (١٤٤٥، ٦٠٢٢). وأخرجه مسلم (١٠٠٨).
(٣) من قوله: "وروى البخاريّ هذا الحديث. . ." إلى هنا، من (م).