وروى عن أبي بردة عن أبيه عن النبي ﷺ قال: "على كل مسلم صدقة" قالوا: يا رسول الله، فمن لم يجد؟ قال: "يعمل بيده، فينفع نفسه ويتصدق" قالوا: فإن لم يجد؟ قال: "يُعِين ذا الحاجة الملهوف" قالوا: فإن لم يجد؟ قال: "فليعمل بالمعروف، وَلْيُمْسِك عن الشر؛ فإنها له صدقة٢ "٣.
ولما كان البخيل محبوسًا عن الإحسان، ممنوعًا عن البِر والخير، كان جزاؤه من جنس عمله؛ فهو ضَيِّقُ الصدر، ممنوعٌ من الانشراح، ضَيِّق العَطَن، صغير النفس، قليل الفرح، كثير الهم والغم والحزن، لا يكاد تُقْضَى له حاجة، ولا يُعان على مطلوب.
فهو كرجل عليه جبة من حديد، قد جُمِعت يداه إلى عنقه بحيث٤ لا يتمكن مِن٥ إخراجها ولا حركتها، وكلما أراد إخراجها، أو توسيع تلك الجبة لزمت كل حَلقة من حِلَقها موضعها.
وهكذا البخيل كلما أراد أن يتصدق مَنَعَهُ البخل، فيبقى قلبه في سجنه كما هو، والمتصدقُ كلما تصدق بصدقة انشرح لها قلبه، وانفسح بها صدره، فهو بمنزلة اتساع تلك الجُبّة عليه، فكلما تصدق اتسع
(١) "صحيح البخاري" (١٤٤٣).
(٢) "صحيح البخاري" (١٤٤٥، ٦٠٢٢). وأخرجه مسلم (١٠٠٨).
(٣) من قوله: "وروى البخاريّ هذا الحديث. . ." إلى هنا، من (م).
(٤) "بحيث" من (ح) و(م) و(ق).
(٥) "مِنْ" ساقطة من (ت).
وانفسح وانشرح، وقَوِيَ فرحه، وعَظُمَ سروره.
ولو لم يكن في الصدقة إلا هذه الفائدة وحدها لكان العبد حقيقًا بالاستكثار منها والمبادرة إليها. وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ٩﴾[الحشر: ٩]، [التغابن: ١٦].
وكان عبد الرحمن بن عوف -أو سعد بن أبي وقاص- يطوف بالبيت وليس له دأب إلا هذه الدعوة: "ربِّ قني شُحَّ نفسي، ربِّ قني شُحَّ نفسي". فقيل له: أما تدعو بغير هذه الدعوة؟ فقال: "إذا وُقِيتُ شُحَّ نفسي فقد أفلحتُ"١.
والفرق بين الشُّحِّ والبخل أن الشُّحَّ: هو شدة الحرص على الشيء، والإحفاء في طلبه، والاستقصاء في تحصيله، وجَشَعُ النفس عليه.
والبخل: منعُ إنفاقه بعد حصوله، وحُبُّه وإمساكُه، فهو شحيحٌ قبل حصوله، بخيلٌ بعد حصوله.
فالبخلُ ثمرة الشُّحِّ، والشُّحُّ يدعو إلى البخل، والشُّحُّ كامِنٌ في النفس، فمن بخل فقد أطاع شُحَّه، ومن لم يبخل فقد عصى شُحَّه، وَوُقِي شره، وذلك هو المفلح ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ٩﴾.
(١) أخرجه الطبري في "التفسير" (٢٣/ ٢٨٦)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٣٥/ ٢٩٤)، والفاكهي في "أخبار مكة" (١/ ٢٢٨) عن عبد الرحمن بن عوفٍ ﵁. ولفظه عندهم: "إذا وُقِيتُ شُحَّ نفسي لم أسرق، ولم أَزْنِ، ولم أَفْعل". ولفظ الفاكهي: ". . . وُقِيت السرقة والخيانة وغير ذلك".