الوابل الصيب

أنت له ولعباده.

ولما أظهر المنافقون الإسلام، وأسرُّوا الكفر أظهر الله تعالى لهم يوم القيامة نورًا على الصراط، وأظهر لهم أنهم يَجُوزون الصراط، وأَسَرَّ لهم أن يُطْفِئ نورهم، وأن يُحال بينهم وبين قطع الصراط جزاءً من جنس أعمالهم.

وكذلك من يُظْهِر للخلق خلاف ما يَعْلَمُه الله فيه؛ فإن الله تعالى يُظْهِرُ له في الدنيا والآخرة أسباب الفلاح والنجاح والفوز، ويُبْطِنُ له خلافها.

وفي الحديث: "من راءى راءى الله به، ومن سَمَّعَ سَمَّع الله به"١.

والمقصود أن الكريم المُتصدِّق يعطيه الله ما لا يعطي البخيل المُمْسِك، ويُوسِّع عليه في ذاته، وخُلُقِه، ورزقه، ونفسه، وأسباب معيشته، جزاءً له من جنس عمله.

  1. (١) أخرجه البخاري (٦٤٩٩)، ومسلم (٢٩٨٧) من حديث جندب ﵁.
82

فصل

وقوله ﷺ: "وأمركم أن تذكروا الله تعالى؛ فإن مَثَل ذلك مَثَل رجلٍ خرج العدو في إثره سراعًا، حتى إذا أتى على حصن حصين، فأحرز نفسه منهم، كذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله".

فلو لم يكن في الذكر إلا هذه الخصلة الواحدة لكان حقيقًا بالعبد أن لا يفتر لسانه من ذكر الله تعالى، وأن لا يزال لَهِجًا بذكره؛ فإنّه لا يُحْرِزُ نفسه من عدوه إلا بالذكر، ولا يَدْخُل عليه العدو إلا من باب الغفلة١، فهو يَرْصُدُه، فإذا غفل وثَبَ عليه وافترسه، وإذا ذكر الله تعالى انخنس عدو الله وتصاغر وانقمع، حتى يكون كالوصْع٢ وكالذباب، ولهذا سُمِّي الوسواس الخناس، أي: يوسوس في الصدور؛ فإذا ذُكِر الله تعالى خَنَس، أي: كف وانقبض.

وقال ابن عباس: "الشيطان جاثم على قلب ابن آدم، فإذا سها وغفلَ وَسْوَسَ، فإذا ذكر الله تعالى خَنَس"٣.

وفي مسند الإمام أحمد عن عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، عن زياد بن أبي زياد مولى عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة، أنه بلغه عن

  1. (١) (ت): "إلّا من الغفلة".
  2. (٢) "الوَصْع": الصغير من العصافير. "اللسان" (١٥/ ٣١٥).
  3. (٣) أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (١٣/ ٣٦٩ - ٣٧٠)، والضياء في "المختارة" (١٠/ ٣٦٧) بإسناد صحيح.
    وعلّق البخاريّ في "التفسير" من صحيحه قريبًا منه.
83

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي