وفي "الترمذي" أيضًا عن النبي ﷺ، عن الله ﷿ أنه يقول: "إنَّ عبدي كُلَّ عبدي الذي يذكرني وهو مُلاقٍ قِرْنَهُ"١.
وهذا الحديث هو فصل الخطاب في التفضيل بين الذاكر والمجاهد، فإن الذاكرَ المجاهد أفضلُ من الذاكر بلا جهادٍ والمجاهدِ الغافلِ، والذاكرُ بلا جهادٍ أفضلُ من المجاهد الغافل عن الله تعالى.
فأفضل الذاكرين المجاهدون، وأفضل المجاهدين
(١) أخرجه الترمذي (٣٥٨٠)، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (٥/ ١٥١)، و"الجهاد" (١٣٠)، وأبو نعيم في "معرفة الصحابة" (٤/ ٢٠٨٢) وغيرهم من حديث عمارة بن زعكرة ﵁. قال الترمذي: "غريب لا نعرفه إلّا من هذا الوجه، وليس إسناده بالقويّ". وقال البخاري في "التاريخ الكبير" (٦/ ٤٩٤): "لم يصح إسناده". وعلّته: "عفير بن معدان" فإنّه ضعيف، وأورد ابن عديّ حديثه هذا في ترجمته من "الكامل" (٥/ ٣٨١). ورُوِي من وجهٍ آخر عن جبير بن نفير (تابعيّ) قال: "يقول الله ﷿:. . ." فذكره. أخرجه ابن المبارك في "الزهد" (٩٥٧)، وأبو القاسم البغوي في "معجم الصحابة" -كما في "النكت الظّراف" (٧/ ٤٨٧) -، ومن طريقه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٣٦/ ٢٦٦). وحسّن الحديث به ابنُ حجر في "نتائج الأفكار" -كما في الفتوحات الربانية" (٥/ ٦٢ - ٦٣) -. وأخرجه سعيد بن منصور في "السنن" (٢٨٧٨) من وجهٍ آخر عن محمد بن زياد الألهاني عن أشياخه عن النبي ﷺ. وانظر استشهاد ابن تيمية بالحديث وتعليقه عليه في "مدارج السالكين" (٢/ ٤٤٥) للمصنِّف.
الذاكرون١.
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ٤٥﴾[الأنفال: ٤٥]؛ فأمرهم بالذكر الكثير والجهاد معًا، ليكونوا على رجاء من الفلاح، وقد قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا ٤١﴾[الأحزاب: ٤١]، وقال تعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾[الأحزاب: ٣٥] أي: كثيرًا.
فَقَيَّد الأمر بالذكر بالكثرة والشدة؛ لشدة حاجة العبد إليه، وعدم استغنائه عنه طرفة عين، فأيُّ لحظةٍ خلا فيها العبد عن ذكر الله ﷿ كانت عليه لا له، وكان خُسرانه٢ فيها أعظم مما ربح في غفلته عن الله ﷿.
وقال بعض العارفين: لو أقبل عبدٌ على الله تعالى كذا وكذا سنةً، ثم أعرض عنه لحظة، لكان ما فاته أعظم مما حَصَّله.
وذكر البيهقي عن عائشة ﵂ وعن أبيها عن النبي ﷺ أنه
(١) (ت): "فأفضل المجاهدين الذاكرون، وأفضل الذاكرين المجاهدون"، وهي بمعنى المثبت من (ح) و(م) و(ق). وانظر: "تهذيب سنن أبي داود" (٧/ ١٢٦ - ١٢٧) للمصنِّف، و"فتح الباري" (٦/ ٧ - ٨)، و(١١/ ٢١٣) لابن حجر.