وعن معاذ بن جبل ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ: أي الأعمال أحب إلى الله ﷿؟ قال: "أنْ تَموتَ ولِسَانُكَ رَطْبٌ من ذِكْر الله ﷿"١.
وقال أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه: "لكل شيء جِلاء، وإنّ جِلاءَ القلوبِ ذِكرُ الله ﷿"٢.
وذكر٣ البيهقيُّ مرفوعًا من حديث عبد الله بن عمر ﵁ عن النبي ﷺ أنه كان يقول: "لكل شيء سِقالة٤، وإنّ سِقالةَ القلوبِ ذكرُ الله ﷿، وما من شيء أنجى من عذاب الله ﷿ من ذكر الله" قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله ﷿؟ قال: "ولو أنْ يضرب بسيفه حتى ينقطع"٥.
= المطلقة" لابن حجر (١٦٠ - ١٦١). ونصوصُ القرآن تشهد لصحة معناه، كما بيّنه الثوريُّ في رواية الحاكم.
(١) أخرجه الطبرانيُّ في "الكبير" (٢٠/ ١٠٧ - ١٠٨)، و"الدعاء" (٣/ ١٦٢٨ - ١٦٢٩)، و"مسند الشاميّين" (١/ ١٢٢ - ١٢٣) وغيرُه. وصحّحه ابن حبان (٨١٨)، وقال ابن حجر في "نتائج الأفكار" (١/ ٩٢): "هذا حديث حسن".
(٢) أخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" (٢/ ٤١٩).
(٣) (ت) و(م): "ذكره"، والمثبت من (ح) و(ق)، وكلاهما محتمل.
(٤) أي: جِلاء. وفي (م): "صقالة"، وهما بمعنى.
(٥) "شعب الإيمان" (٢/ ٤١٨ - ٤١٩). وإسناده ضعيف جدًّا، فيه "سعيد بن سنان الحنفي" قال الحافظ في "التقريب" (٣٨١): "متروك، ورماه الدارقطني وغيرُه بالوضع".
ولا ريب أن القلب يصدأ كما يصدأ النحاس والفضة وغيرهما، وجلاؤه بالذكر، فإنه يجلوه حتى يدعه كالمرآة البيضاء؛ فإذا تُرِك الذكرُ صَدِئ؛ فإذا ذُكِر جلاه.
وصدأُ القلب بأمرين: بالغفلة والذنب، وجلاؤه بشيئين: بالاستغفار والذكر؛ فمن كانت الغفلة أغلب أوقاته كان الصدأ متراكبًا على قلبه، وصداؤه١ بحسب غفلته، وإذا صدئ القلب لم تنطبع فيه صور المعلومات على ما هي عليه، فيرى الباطل في صورة الحق، والحق في صورة الباطل؛ لأنه لما تراكم عليه الصدأ أَظْلَم، فلم تظهر فيه صور٢ الحقائق كما هي عليه.
فإذا تراكم عليه الصدأ واسْوَدَّ، ورَكِبَه الرَّانُ، فَسَدَ تصوُّره وإدراكه، فلا يقبل حقًّا، ولا ينكر باطلًا، وهذا أعظم عقوبات القلب. وأصلُ ذلك من الغفلة، واتباع الهوى؛ فإنهما يطمسان نور القلب، ويعميان بصره.
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ٢٨﴾[الكهف: ٢٨].
فإذا أراد العبد أن يقتدي برجل فلينظر: هل هو من أهل الذكر، أو هو من الغافلين؟ وهل الحاكم عليه الهوى أو الوحي؟؛ فإن كان الحاكم عليه هو الهوى، وهو من أهل الغفلة، وأمره فُرُطٌ = لم يَقْتَدِ به ولم يَتبعه؛