الثانية والعشرون: أن العبد إذا تعرَّف إلى الله تعالى، بذكره في الرخاء = عَرَفه في الشدّة، وقد جاء أثرٌ معناه: أن العبد المطيع الذاكر لله تعالى إذا أصابته شدّة، أو سأل الله تعالى حاجة قالت الملائكة: يا ربّ! صوتٌ معروفٌ من عبدٍ معروفٍ.
والغافل المعرض عن ذكر الله ﷿ إذا دعاه أو سأله قالت الملائكة: يا ربّ! صوتٌ منكرٌ من عبدٍ منكر١.
الثالثة والعشرون: أنه منجاةٌ مِنْ عذاب الله تعالى، كما قال معاذٌ ﵁، -ويُرْوَى مرفوعًا-: "ما عمل آدمي عملًا أنجى له من عذاب الله ﷿ من ذكر الله تعالى"٢.
الرابعة والعشرون: أنه سبب نُزول٣ السكينة، وغِشْيان الرحمة، وحُفُوفِ الملائكة بالذاكر، كما أخبر به النبي ﷺ.
الخامسة والعشرون: أنه سبب اشتغال اللسان عن الغيبة والنميمة، والكذب، والفحش، والباطل؛ فإن العبد لابُدَّ له من أن يتكلم، فإن لم يتكلم بذكر الله تعالى، وذِكْرِ أوامره تكلم بهذه المحرمات أو
(١) أخرجه محمد بن فضيل الضّبي في "الدعاء" (٨٥)، ومِنْ طريقه ابن أبي شيبة في "المصنف" (١٠/ ٣٠٩ - ٣١٠)، و(١٣/ ٣٣٣ - ٣٣٤)، وعبد الله بن أحمد في "زوائده على الزهد" (٣١٣)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٣/ ٣٤٣) عن سلمان الفارسي ﵁ موقوفًا. وإسنادُ الضبيّ صحيحٌ عالٍ.
(٢) تقدم تخريجه (ص: ٨٤).
(٣) (ح) و(ق): "تَنَزُّل".
ببعضها١؛ فلا سبيل إلى السلامة منها ألبتة إلا بذكر الله تعالى.
والمشاهدة والتجربةُ شاهدان بذلك؛ فمن عوَّد لسانه ذِكْرَ اللهِ صانَ اللهُ لسانَه عن الباطل واللغو٢، ومن يَبِسَ لسانُه عن ذكر الله تعالى تَرَطَّبَ بكل باطلٍ ولَغْوٍ وفُحْشٍ، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
السادسة والعشرون: أنّ مجالسَ الذكر مجالسُ الملائكة، ومجالسَ اللغو والغفلة مجالسُ الشياطين، فَلْيَتَخَيَّرِ العبدُ أعجبهما إليه، وأولاهما به؛ فهو مع أهله في الدنيا والآخرة.
السابعة والعشرون: أنه يَسْعَدُ الذاكرُ بذكره، ويَسْعَدُ به جليسُه، وهذا هو المبارك أينما كان، والغافلُ واللاغي يشقى بلغوه وغفلته، ويشقى به مُجالِسُه.
الثامنة والعشرون: أنه يؤمِّن العبد من الحسرة يوم القيامة؛ فإنّ كل مجلس لا يَذْكُرُ العبدُ فيه ربَّه تعالى كان عليه حسرةً وتِرَةً يوم القيامة٣.
التاسعة والعشرون: أنه مع البكاء في الخلوة سببٌ لإظلال الله تعالى العبدَ يوم الحَرِّ الأكبر في ظِلِّ عرشه، والناسُ في حَرِّ الشمس قد صَهَرَتْهُم في الموقف، وهذا الذاكرُ مُسْتَظِلٌّ بظل عرش الرحمن عز
(١) (م) و(ق): "بعضها".
(٢) "واللغو" من (ح) و(م) و(ق).
(٣) كذا في (ح) و(ق)، ولم ترد هذه الفائدة في (ت) وجُعِل بدلها الفائدةُ التاسعة والعشرون، وفي (م) جُعِلت الفائدة الثامنة والعشرون والتاسعة والعشرون كل منهما موضع الأخرى.