وفي الترمذي: "من دخل السُّوق فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يُحْيِي ويميت، وهو حَيٌّ لا يموت، بيده الخَيْرُ، وهو على كلِّ شيءٍ قدير = كتب الله له ألْفَ ألْفَ حسنة، ومحا عنه ألْف ألْف سيئة، ورفع له ألْفَ ألْفَ درجة"١.
الرابعة والثلاثون: أن دوامَ ذِكر الرب ﵎ يُوجِب الأمان من نسيانه الذي هو سبب شقاء العبد في معاشه ومعاده؛ فإن نسيان الرب٢﷾ يوجب نسيان نفسه ومصالحها، قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ١٩﴾[الحشر: ١٩].
(١) أخرجه الترمذي (٣٤٢٨)، والدارميُّ (٢/ ٧٤٧)، وابن عديّ في "الكامل" (١/ ٤٣٠)، والعقيلي في "الضعفاء" (١/ ١٣٣ - ١٣٤). قال الترمذيّ: "هذا حديث غريب". وفي إسناده: "أزهر بن سنان" وهو ضعيف. ورُوِي من وجهٍ آخر عند ابن ماجه (٢٢٣٥)، وأحمد (١/ ١٧٥) وغيرهما. فال أبو حاتم الرازي -كما في "العلل" (٢/ ١٧١) -: "هذا حديث منكرٌ جدًّا. . ."، وقال المصنّف في "تهذيب سنن أبى داود" (٧/ ٢٥٨): "هذا حديث معلولٌ لا يثبت مثله". ورُوِي من وجهٍ آخر عند ابن عديّ في "الكامل" (٥/ ٩١)، والحاكم (١/ ٥٣٩) وغيرهما. قال البخاريّ -كما في "العلل الكبير" للترمذي (٣٦٣) -: "هذا حديث منكر"، وكذا قال أبو حاتم في "العلل" (٢/ ١٨١). وله طرقٌ أخرى ضعيفة، وانظر: "علل الدارقطني" (٢/ ٤٨ - ٥٠)، و"المنار المنيف" (٣٣ - ٣٥) للمصنّف، و"مسند الفاروق" لابن كثير (٢/ ٦٤١ - ٦٤٣).
(٢) (ت): "العبد"، و(م): "العبدِ الذكرَ".
وإذا نسي العبدُ نفسه أعرض عن مصالحها، ونَسِيَها، واشتغل عنها؛ فهلكت وفسدت ولابُدّ، كمن له زرعٌ أو بستانٌ أو ماشيةٌ أو غير ذلك مِمّا صلاحُه وفلاحه بتعاهده والقيام عليه، فأهمله ونسيه، واشتغل عنه بغيره، وضَيَّع مصالحه؛ فإنه يفسد ولابُدّ. هذا مع إمكان قيام غيره مقامه فيه؛ فكيف الظن بفساد نفسه وهلاكها وشقائها إذا أهملها ونسيها، واشتغل عن مصالحها، وعطَّل مراعاتها، وترك القيام عليها بما يصلحها؟! فما شئت من فسادٍ وهلاكٍ وخيبةٍ وحرمان!.
وهذا هو الذي صار أمره كله فُرُطًا، فانفرط١ عليه أمره، وضاعت مصالحه، وأحاطت به أسباب القُطوع والخيبة والهلاك.
ولا سبيل إلى الأمان من ذلك إلا بدوام ذكر الله تعالى، واللَّهَجِ به، وأن لا يزال اللسان رطبًا به، وأن يُنزله منزلة حياته التي لا غنى له عنها، ومنزلة غذائه الذي إذا فقده فسد جسمُه وهلك، وبمنزلة الماء عند شدة العطش، وبمنزلة اللباس في الحر والبرد، وبمنزلة الكِنِّ٢ في شدة الشتاء والسَّموم٣.
فحقيقٌ بالعبد أن يُنزِل ذكر الله منه٤ بهذه المنزلة، وأعظم؛ فأين
(١) (م): "ففرط".
(٢) هو ما يردُّ الحرّ والبرد من الأبنية والمساكن.
(٣) السَّموم: هي الريح الحارّة. قال أبو عبيدة: "السَّموم بالنهار، وقد تكون بالليل". "اللسان" (٦/ ٣٧٣).