هلاك الروح والقلب وفسادها من هلاك البدن وفساده؟!، وهذا هلاكٌ لابُدَّ منه وقد يعقبه صلاح الأبد، وأما هلاك القلب والروح فهلاكٌ لا يُرجَى معه صلاح ولا فلاح، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
ولو لم يكن في فوائد الذكر وإدامته إلا هذه الفائدة وحدها لكفى بها.
فمن نسي الله تعالى أنساه نفسه في الدنيا، ونسيه في العذاب يوم القيامة. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ١٢٤ قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا ١٢٥ قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾[طه: ١٢٤ - ١٢٦]، أي تُنْسَى في العذاب كما نسيت آياتنا، فلم تذكرها ولم تعمل بما فيها.
وإعراضُه عن ذكره يتناول إعراضَه عن الذكر الذي أنزله، وهو كتابه، وهو المراد، ويتناول إعراضَه عن أن يَذْكُرَ ربه بكتابه، وأسمائه، وصفاته، وأوامره، وآلائه، ونعمه؛ فإن هذه كلها توابع إعراضه عن كتاب ربه تعالى، فإن الذكر١ في الآية إما مصدرٌ مضافٌ إلى معموله الذي هو المذكور، وإما اسمٌ٢ مضافٌ إلى الفاعل، أو مضافٌ إضافة الأسماء المحضة، أي: من أعرض عن كتابي ولم يَتْلُه، ولم يتدبره، ولم يعمل به، ولم يفهمه٣ = فإن حياته ومعيشته لا تكون إلا مُضَيَّقةً٤
(١) (ت) و(م) و(ق): "فالذكرُ".
(٢) "مضاف إلى معموله الذي هو المذكور، وإما اسم" مِنْ (م).
(٣) (ت) و(ح) و(ق): "ولا فهمه".
(٤) (ت) و(م): "منغصة".
عليه، مُنكَّدة، مُعذَّبًا فيها.
والضَّنْكُ: الضيق والشدة والبلاء، وَوصْفُ المعيشةِ نَفْسِها بالضنك مبالغةٌ، "وفُسِّرت هذه المعيشة بعذاب البرزخ، والصحيح: أنها تتناول معيشته في الدنيا، وعذابه في البرزخ؛ فإنه يكون في ضَنْكٍ في الحالَيْن١، وهو شدة وجَهْدٌ وضِيق، وفي الآخرة يُنْسَى في العذاب.
وهذا عكسُ أهل السعادة والفلاح؛ فإن حياتهم في الدنيا أطيب الحياة، وفي البرزخ، ولهم في الآخرة أفضل الثواب، قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْييَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾[النحل: ٩٧] فهذا في الدنيا، ثم قال: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ٩٧﴾[النحل: ٩٧] فهذا في البرزخ والآخرة.
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ٤١﴾[النحل: ٤١]، وقال تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾[هود: ٣] فهذا في الدنيا، ثم قال: ﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾[هود: ٣].