الوابل الصيب

عليه، مُنكَّدة، مُعذَّبًا فيها.

والضَّنْكُ: الضيق والشدة والبلاء، وَوصْفُ المعيشةِ نَفْسِها بالضنك مبالغةٌ، "وفُسِّرت هذه المعيشة بعذاب البرزخ، والصحيح: أنها تتناول معيشته في الدنيا، وعذابه في البرزخ؛ فإنه يكون في ضَنْكٍ في الحالَيْن١، وهو شدة وجَهْدٌ وضِيق، وفي الآخرة يُنْسَى في العذاب.

وهذا عكسُ أهل السعادة والفلاح؛ فإن حياتهم في الدنيا أطيب الحياة، وفي البرزخ، ولهم في الآخرة أفضل الثواب، قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْييَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧] فهذا في الدنيا، ثم قال: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ٩٧﴾ [النحل: ٩٧] فهذا في البرزخ والآخرة.

وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ٤١﴾ [النحل: ٤١]، وقال تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [هود: ٣] فهذا في الدنيا، ثم قال: ﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ [هود: ٣].

وقال تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠].

  1. (١) (ح) و(ق): "الدارين".
107

فهذه أربعة مواضع ذكر الله تعالى فيها أنه يَجْزِي المحسن بإحسانه جزائين: جزاءً في الدنيا، وجزاءً في الآخرة. فالإحسانُ له جزاءٌ مُعَجَّلٌ ولابُدّ، والإساءة لها جزاءٌ مُعَجَّلٌ ولابُدّ.

ولو لم يكن إلا ما يُجَازى به المُحْسِنُ١: من انشراح صدره، وانفساح قلبه، وسروره، ولذته بمعاملة ربه ﷿، وطاعته، وذكره، ونعيم روحه بمحبته وذكره، وفرحه بربه ﷾ أعظم مما يفرح القريب من السلطان الكريم عليه بسلطانه.

وما يُجَازى به المسيء: مِنْ ضيق الصدر، وقسوة القلب، وتَشَتُّتِه، وظُلْمَتِه، وحزازاته٢، وغمه، وهمه، وحزنه، وخوفه، وهذا أمر لا يكاد من له أدنى حِسٍّ وحياة يرتابُ فيه، بل الغموم والهموم والأحزان والضيق٣ عقوباتٌ عاجلة، ونارٌ دنيوية، وجهنَّمُ حاضرةٌ.

والإقبالُ على الله تعالى، والإنابة إليه، والرضى به وعنه٤، وامتلاء القلب من محبته، واللَّهج بذكره، والفرح والسرور بمعرفته = ثوابٌ عاجل، وجَنَّةٌ حاضرة، وعَيْشٌ لا نسبة لعيش الملوك إليه ألبتة.

  1. (١) (ت) و(م): "المحسنين"، والضمائر بعده بصيغة الجمع.
  2. (٢) "وحزازاته" من (ح) و(ق).
  3. (٣) "والضيق" من (ح) و(م) و(ق).
  4. (٤) (ت) و(ح): "والرضى عنه".
108

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي