واعلم أن الحسرة كلَّ الحسرة الاشتغالُ بمن لا يُجْدِي عليك الاشتغال به إلا فوت نصيبك وحظك من الله ﷿، وانقطاعك عنه، وضياع وقتك عليك، وَشَتَاتِ قلبك عليك، وضعف عزيمتك، وتفرُّقِ همِّك١.
فإذا بُلِيت بهذا -ولابُدَّ لك منه- فعامِل الله تعالى فيه، واحتسب عليه ما أمكنك، وتقرَّب إلى الله بمرضاته فيه، واجعل اجتماعك به مَتْجَرًا لك، لا تجعله خسارة، وكن معه كرجلٍ سائرٍ في طريقه عَرَضَ له رجلٌ وَقَفهُ عن سيره، فاجْتَهِدْ أن تأخذه معك وتسير به، فَتَحْمِله ولا يحملك٢؛ فإن أبى ولم تَلْقَ في سيره مطمعًا، فلا تقف معه، بل اركب الدَّرْبَ ودَعْهُ ولا تلتفت إليه؛ فإنه قاطعُ طريقٍ، ولو كان من كان، فانْجُ بقلبك، وضِنَّ بيومك وليلتك، لا تغرب عليك الشمس قبل وصول المنزلة فَتُؤْخَذ، أو يطلع عليك الفجر وأنت في المنزلة فَيَسِيرَ الرِّفاقُ فتصبح وحدك، وأنَّى لك بِلَحاقهم!.
الخامسة والثلاثون: أن الذكر يُسَيِّر العبدَ وهو قاعد على فراشه، وفي سوقه، وفي حال صحته وسقمه، وفي حال نعيمه ولذته، ومعاشه، وقيامه وقعوده واضطجاعه، وسفره وإقامته، فليس في الأعمال شيءٌ يَعُمُّ الأوقات والأحوال مثله، حتى إنه يُسَيِّر العبدَ وهو نائمٌ على فراشه، فيسبق القائم مع الغفلة، فيصبح هذا وقد قطع الرَّكْبَ وهو مُسْتَلْقٍ على
(١) (ت) و(م): "همّتك".
(٢) (ت) و(م) و(ق): "ويحملك"، والمثبت من (ح)، ولعلّه الصّواب.
فراشه، ويصبح ذلك القائم الغافل في ساقَةِ الرَّكْبِ، وذلك فضلُ الله يؤتيه من يشاء.
وحُكِي عن رجل من العُبّاد: أنه نزل برجل من العُبّاد ضيفًا، فقام العابد ليله يصلي، وذلك الرجل مُسْتَلْقٍ على فراشه، فلما أصبحا قال له العابد: سبقك الرَّكْبُ، أو كما قال، فقال: ليس الشأنُ فيمن بات ليله مسافرًا وأصبح مع الرَّكْبِ، الشأنُ فيمن بات على فراشه وأصبح قد قطع الرَّكْبَ!.
وهذا ونحوه له محملٌ صحيح، ومحملٌ فاسد؛ فمن حمله على أنّ الراقد المضطجع١ على فراشه يسبق القائم القانت، فهو باطل، وإنما مَحْمَلُه أن هذا المستلقي على فراشه عَلَّقَ قلبه بربه ﷿، وألصق حَبَّة قلبه بالعرش، وبات قلبه يطوف حول العرش مع الملائكة، قد غاب عن الدنيا وما فيها، وقد عاقه عن قيام الليل عائقٌ من وَجَعٍ أو بَرْدٍ يمنع٢ القيام، أو خوفٍ على نفسه من رؤية عدوٍّ يطلبه، أو غير ذلك من الأعذار، فهو مُسْتَلْقٍ على فراشه، وفي قلبه ما الله أعلمُ به.
وآخرُ قائم يصلي ويتلو، وفي قلبه من الرياء والعُجْبِ، وطلبِ الجاه والمَحْمَدة عند الناس ما الله به عليم، أو قلبه في وادٍ وجسمه في وادٍ، فلا ريب أن ذلك الراقد يصبح وقد سبق هذا القائم بمراحل كثيرة، فالعمل