فإذا جاء ﵎ يوم القيامة للفصل بين عباده، أشرقت بنوره الأرض، وليس إشراقها يومئذ بشمسٍ ولا قمر؛ فإن الشمس تُكَوَّر، والقمر يخسف، ويَذْهَبُ نورُهما، وحجابُه ﵎ النور.
قال أبو موسى: قام فينا رسول الله ﷺ بخمس كلماتٍ فقال: "إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يَخْفِضُ القِسْط ويَرْفَعُه، يُرْفَعُ إليه عمل الليلِ قبل عمل النَّهار، وعملُ النهارِ قبل عملِ الليل، حِجابُه النُّور، لو كشفه لأحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وجهه ما انتهى إليه بَصَرُه مِن خَلْقِه". ثم قرأ: ﴿أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾[النمل: ٨]١.
فاستنارة ذلك الحجاب بنور وجهه، ولولاه لأحرقت سبحات وجهه ونوره ما انتهى إليه بصره٢.
ولهذا لما تجلى ﵎ للجبل، وكشف من الحجاب شيئًا يسيرًا، ساخ الجبل في الأرض، وتدكدك، ولم يقم لربه ﵎.
وهذا معنى قول ابن عباس في قوله٣﷾: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾[الأنعام: ١٠٣] قال: "ذلك الله ﷿، إذا تجلى بنوره لم يقم له شيء"٤.
(١) أخرجه مسلم (١٧٩) إلّا قراءة أبي عبيدة (الراوي عن أبي موسى) للآية؛ فإنها عند أحمد (٦/ ٦٠٩)، والطيالسي (١/ ٣٩٦) وغيرهما.
(٢) من قوله في الحديث: "مِنْ خلقه" إلى هنا، ساقط من (ت).
(٣) (ت) و(م): "في معنى قوله".
(٤) أخرجه الترمذي (٣٢٧٩)، وابن أبي عاصم في "السنة" (١/ ٣٠٨ - ٣٠٩)، وابن =
وهذا من بديع فَهْمِه رضي الله تعالى عنه، ودقيقِ فِطْنَتِه، وكيف لا وقد دعا له١ رسول الله ﷺ أن يعلِّمه الله التأويل؟!.
فالربُّ ﵎ يُرَى يوم القيامة بالأبصار عيانًا، ولكنْ يستحيل إدراك الأبصار له وإن رأته؛ فالإدراكُ أمرٌ وراء الرؤية، وهذه الشمس -ولله المثل الأعلى- نراها ولا ندركها كما هي عليه، ولا قريبًا من ذلك؛
= خزيمة في "التوحيد" (٢/ ٤٨١ - ٤٨٣)، والنسائي في "الكبرى" (١٠/ ٢٧٩ مختصرًا)، واللالكائي في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة" (٣/ ٥٧٦)، والخطيب في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (٢/ ١٢٩ - ١٣٠). قال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه". وصححه ابن خزيمة بإيراده إيّاه في كتاب "التوحيد" دون إشارةٍ منه لضعفه، وقال ابن أبي عاصم عقب روايته: "وفيه كلام" = أي: وفي حديث ابن عباس في الرؤية بقيّةٌ أعرضتُ عن ذكرها. يريدُ بذلك ما جاء في حديث حماد بن سلمة الطويل في الرؤية عن ابن عباس، وقد تجنّب ابن أبي عاصم ذكره بطوله في كتابه، وإنما رواه مختصرًا. وهذا الذي ذكرتُ من تفسير قوله: "وفيه كلام" أولى من حمل البعض هذا القول على أنه تضعيف من ابن أبي عاصم للرواية التي معنا، والله أعلم. ورُوِي الحديث من وجهٍ آخر: أخرجه الطبراني في "الكبير" (١١/ ١٩٤)، والحاكم في "المستدرك" (٢/ ٣١٦)، ومن طريقه البيهقي في "الأسماء والصفات" (٢/ ٣٦٢ - ٣٦٣). قال الحاكم: "صحيح الإسناد، ولم يخرجاه"، فتعقّبه الذهبيُّ بقوله: "قلتُ: بل إبراهيم متروك"، وبإبراهيم هذا أعلّه البيهقي، والهيثمي في "المجمع" (٧/ ١١٥). وصحّحه الإمام أحمد، كما في "المنتخب من العلل للخلال" (٢٨٠).
(١) (ت): "وكيف قد دعا له"، وفي (ح) و(ق): "وكيف وقد دعا له".