الناس، وأصلُه في قلوبهم، ثم تَقْوَى مادته، وتتزايد١ حتى تظهر على وجوههم وجوارحهم وأبدانهم، بل وثيابهم ودُورهم، يُبْصِرُه مَنْ هو مِنْ جنسهم، وسائر الخلق له منكرون٢.
فإذا كان يوم القيامة برز ذلك النور، وصار بأيمانهم يسعى بين أيديهم في ظلمة الجِسْر حتى يقطعوه، وهم فيه على حسب قوته وضعفه في قلوبهم في الدنيا، فمنهم من نوره كالشمس، وآخر كالقمر، وآخر كالنجم٣، وآخر كالسراج، وآخر يُعْطَى نورًا على إبهام قدمه، يضيء مرة ويطفأ أخرى، إذا كانت هذه حال نوره في الدنيا، فأُعْطِيَ على الجسر بمقدار ذلك، بل هو نفس نوره ظهر له عيانًا، ولما لم يكن للمنافق نور ثابت في الدنيا، بل كان نوره ظاهرًا، لا باطنًا = أُعطِي نورًا ظاهرًا مآله إلى الظلمة والذَّهاب.
وضرب الله ﷿ لهذا النور، ومحلِّه، وحامله، ومادته مثلًا بالمشكاة، وهي الكُوَّة في الحائط، فهي مثل الصَّدْرِ، وفي تلك المشكاة زجاجة من أصفى الزجاج، وحتى شُبِّهت بالكوكب الدُّرِّيُّ في بياضه وصفائه، وهي مثل القلب، وشُبِّه بالزجاجة لأنها جمعت أوصافًا هي في قلب المؤمن، وهي: الصفاء، والرقة، والصلابة، فيرى الحق والهدى
(١) (ح): "فتتزايد"، وفي (ق): "ثم يقوى مادته ويتزايد".
(٢) (ح) و(ق): "منكر".
(٣) (ح): "كالنجوم".
بصفائه، وتحصل منه الرأفة والرحمة والشفقة بِرقَّتِه، ويجاهد أعداء الله تعالى، ويغلظ عليهم، ويشتد في الحق، ويصلب فيه بصلابته، فلا تُبْطِل صفةٌ منه صفةً أخرى١، ولا تعاديها، بل تساعدها وتُعاضِدُها، ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾[الفتح: ٢٩]، وقال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾[آل عمران: ١٥٩]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾[التوبة: ٧٣].
وفي أثرٍ: "القُلوبُ آنيةُ الله تعالى في أرْضه، فَأحَبُّها إليْهِ أرَقُّها، وَأصْلَبُها، وَأصْفَاها"٢.
وبإزاء هذا القلب قلبان مذمومان في طرفي نقيض.
أحدهما: قلبٌ حَجَرِيٌّ قاسٍ لا رحمة فيه، ولا إحسان ولا بِرّ، ولا له صفاء يَرى به الحق، بل هو جبارٌ جاهل، لا عالمٌ بالحق، ولا راحمٌ للخلق٣.
(١) (ت): "فلا تبطل صفة منه أخرى".
(٢) أخرجه الطبرانيُّ في "مسند الشاميين" (٢/ ١٩) عن أبي عنبة الخولاني مرفوعًا. قال العراقي في "المغني عن حمل الأسفار" (٢/ ١٦٩١): "وإسناده جيّد". وانظر: "السلسلة الصحيحة" (١٦٩١). ورُوِي من وجوهٍ أخرى مرفوعًا وموقوفًا.