فلهذا يضرب ﷾ المثلين: المائيّ والناريّ معًا١؛ لما يحصل بالماء من الحياة، وبالنار من الإشراق والنور، كما ضرب ذلك في أول سورة البقرة في قوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾[البقرة: ١٧].
وقال: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ ولم يقل: بنارهم؛ لأن النار فيها الإحراق والإشراق، فذهب بما فيه الإضاءة والإشراق، وأبقى عليهم ما فيه الأذى والإحراق.
وكذلك حال المنافقين: ذهب نور إيمانهم بالنفاق، وبقي حرارة٢ الكفر والشكوك والشبهات تغلي في قلوبِهم، وقلوبُهم قد صلِيَتْ بحرِّها وأذاها وسمومها وَوَهَجِها في الدنيا، فأصلاها الله تعالى إياها يوم القيامة نارًا موقدةً تطَّلع على الأفئدة.
فهذا مَثَلُ من لم يَصْحَبْهُ نور الإيمان في الدنيا، بل خرج منه وفارقه بعد أن استضاء به، وهو حال المنافق، عَرَفَ ثم أنكر، وأقر ثم جحد، فهو في ظلماتٍ أصمُّ أبكمُ أعمى، كما قال تعالى في حق إخوانهم من
وشَبَّه تعالى حال المنافقين في خروجهم من النور بعد أن أضاء لهم بحالِ مُسْتَوقِدِ النار وذهاب نورها عنه بعد أن أضاءت ما حوله؛ لأن المنافقين بمخالطتهم المسلمين، وصلاتهم معهم، وصيامهم معهم، وسماعهم القرآن، ومشاهدتهم أعلام الإسلام ومناره، قد شاهدوا الضوء، ورأوا النور عيانًا؛ ولهذا قال تعالى في حقهم: ﴿فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ ١٨﴾[البقرة: ١٨]؛ لأنهم فارقوا الإسلام بعد أن تلبَّسوا به، واستناروا به١ فهم لا يرجعون إليه.
وقال تعالى في حق الكفار: ﴿فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ١٧١﴾؛ لأنهم لم يعقلوا الإسلام، ولا دخلوا فيه، ولا استناروا به، بل لم يزالوا٢ في ظلمات الكفر، صمٌّ بكمٌ عُمْي.
فسبحان من جعل كلامه لأدواء الصدور شافيًا، وإلى الإيمان وحقائقه مناديًا، وإلى الحياة الأبديةِ والنعيم المقيم داعيًا، وإلى طريق الرشاد هاديًا.