الوابل الصيب

الكفّار: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ﴾ [الأنعام: ٣٩]، وقال تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ١٧١﴾ [البقرة: ١٧١].

وشَبَّه تعالى حال المنافقين في خروجهم من النور بعد أن أضاء لهم بحالِ مُسْتَوقِدِ النار وذهاب نورها عنه بعد أن أضاءت ما حوله؛ لأن المنافقين بمخالطتهم المسلمين، وصلاتهم معهم، وصيامهم معهم، وسماعهم القرآن، ومشاهدتهم أعلام الإسلام ومناره، قد شاهدوا الضوء، ورأوا النور عيانًا؛ ولهذا قال تعالى في حقهم: ﴿فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ ١٨﴾ [البقرة: ١٨]؛ لأنهم فارقوا الإسلام بعد أن تلبَّسوا به، واستناروا به١ فهم لا يرجعون إليه.

وقال تعالى في حق الكفار: ﴿فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ١٧١﴾؛ لأنهم لم يعقلوا الإسلام، ولا دخلوا فيه، ولا استناروا به، بل لم يزالوا٢ في ظلمات الكفر، صمٌّ بكمٌ عُمْي.

فسبحان من جعل كلامه لأدواء الصدور شافيًا، وإلى الإيمان وحقائقه مناديًا، وإلى الحياة الأبديةِ والنعيم المقيم داعيًا، وإلى طريق الرشاد هاديًا.

  1. (١) (ح): "واستناروا".
  2. (٢) (ح): "بل يزالون".
126

لقد أسمع منادي الإيمان لو صادف آذانًا واعية، وَشَفَتْ مواعظُ القرآن لو وافقت قلوبًا من غَيِّها خالية، ولكن عَصَفَتْ على القلوب أهوية الشبهات والشهوات فأطفأت مصابيحها، وتمكنت منها أيدي الغفلة والجهالة فأغلقت أبواب رشدها، وأضاعت مفاتيحها، وران عليها كسبُها فلم ينفع فيها الكلام، وسَكِرَتْ بشهوات الغيِّ وشبهات الباطل فلم تُصْغِ بعده إلى الملام، وَوُعِظَتْ بمواعظ أنكى فيها من الأسِنَّة والسِّهام، ولكنْ ماتت في بحر الجهل والغفلة، وأَسْرِ الهوى والشهوة، و"ما لِجُرْحٍ بميِّتٍ إيلام"١.

  1. (١) عجز بيتٍ للمتنبي، في "ديوانه" (١/ ٣٢٧ - العَرْف الطيّب)، وصدرُه: من يهن يسهل الهوان عليه.
127

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي