الوابل الصيب

وأما المنافق فإنه لِعَمَى قلبه لم يجاوز بصرُه الظلمةَ، ولم يَرَ إلّا برقًا يكاد يخطف البصر، ورعدًا عظيمًا وظلمة١، فاستوحش من ذلك وخاف منه، فوضع أصابعه في أذنيه لئلا يسمع٢ صوت الرعد، وهالَه مشاهدة ذلك البرق، وشدة لمعانه، وعِظَمُ نوره، فهو خائف أن يختطف معه بصره؛ لأن بصره أضعف من أن يثبت معه، فهو في ظلمةٍ يسمع أصوات الرعد القاصف٣، ويرى ذلك البرق الخاطف، فإنْ أضاء له ما بين يديه مشى في ضوئه، وإنْ فقد الضوء قام متحيِّرًا لا يدري أين يذهب، ولجهله لا يعلم أن ذلك من لوازم الصَّيِّبِ الذي به حياةُ الأرض والنبات، وحياتُه هو في نفسه، بل لا يدرك إلا رعدًا، وبرقًا، وظلمةً، ولا شعور له بما وراء ذلك، فالوحشةُ لازمةٌ له، والرعبُ والفزعُ لا يفارقه.

وأما من أَنِس بالصَّيِّب وعلم ما يحصل به من الخيرات٤ والحياة والنفع، وعلم أنه لابُدّ فيه من رعدٍ وبرقٍ وظلمةٍ؛ بسبب الغيم = استأنس بذلك ولم يستوحش منه، ولم يَقْطَعْهُ ذلك عن أخذه بنصيبه من الصَّيِّب.

فهذا مَثَلٌ مُطابِقٌ للصَّيِّب الذي نزل به جبريل ﵇ من عند

  1. (١) "عظيمًا" من (م) و(ح) و(ق).
  2. (٢) (ت): "لا يسمع".
  3. (٣) (ت): "العاصف".
  4. (٤) (ح): "يحصل من الخير".
129

رب العالمين ﵎، على قلب رسول الله ﷺ١؛ ليُحْيِيَ به القلوب والوجود أجمع، اقتضت حكمته أن يقارنه من الغيم والرعد والبرق ما يقارن الصَّيِّب المائيَّ٢، حكمةً بالغةً، وأسبابًا منتظمةً نظَّمها العزيز الحكيم.

فكان حظ المنافق من ذلك الصَّيِّب سحابُه ورُعُودُه وبُروقُه فقط، لم يعلم ما وراءه، فاستوحش بما أنس به المؤمنون، وارتاب بما اطمأن به العالمون، وشك فيما تيقَّنه المُبْصِرُون العارفون، فبصره في المثل الناري كبصر الخُفاش في نحر الظهيرة٣، وسَمْعُه في المثل المائيّ كسَمْعِ من يموت من صوت الرعد. وقد ذُكِر عن بعض الحيوانات أنها تموت من صوت الرعد٤.

وإذا صادف هذه العقول والأسماع والأبصار شبهاتٌ شيطانية، وخيالاتٌ فاسدة، وظنونٌ كاذبة، جالت فيها وصالت، وقامت فيها وقعدت، واتسع فيها مجالها، وكَثُرَ بها قِيلُها وقالُها، فملأت الأسماع

  1. (١) (ت): "على قلب سيد المرسلين"، وفى (ق): "على قلب رسوله".
  2. (٢) (ح): "الصيب الماء".
  3. (٣) (ح) و(ق): "نحو الظهيرة".
  4. (٤) ذكر منها الدّميريُّ في "حياة الحيوان" (١/ ٣٧٤، ٥٠٥): "الخطّاف"، و"السّمان"، وهما طائران، وقال عن الثاني: "ويُسمَّى: قتيل الرعد، من أجل أنه إذا سمع صوت الرعد مات".
130

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي