الوابل الصيب

رب العالمين ﵎، على قلب رسول الله ﷺ١؛ ليُحْيِيَ به القلوب والوجود أجمع، اقتضت حكمته أن يقارنه من الغيم والرعد والبرق ما يقارن الصَّيِّب المائيَّ٢، حكمةً بالغةً، وأسبابًا منتظمةً نظَّمها العزيز الحكيم.

فكان حظ المنافق من ذلك الصَّيِّب سحابُه ورُعُودُه وبُروقُه فقط، لم يعلم ما وراءه، فاستوحش بما أنس به المؤمنون، وارتاب بما اطمأن به العالمون، وشك فيما تيقَّنه المُبْصِرُون العارفون، فبصره في المثل الناري كبصر الخُفاش في نحر الظهيرة٣، وسَمْعُه في المثل المائيّ كسَمْعِ من يموت من صوت الرعد. وقد ذُكِر عن بعض الحيوانات أنها تموت من صوت الرعد٤.

وإذا صادف هذه العقول والأسماع والأبصار شبهاتٌ شيطانية، وخيالاتٌ فاسدة، وظنونٌ كاذبة، جالت فيها وصالت، وقامت فيها وقعدت، واتسع فيها مجالها، وكَثُرَ بها قِيلُها وقالُها، فملأت الأسماع

  1. (١) (ت): "على قلب سيد المرسلين"، وفى (ق): "على قلب رسوله".
  2. (٢) (ح): "الصيب الماء".
  3. (٣) (ح) و(ق): "نحو الظهيرة".
  4. (٤) ذكر منها الدّميريُّ في "حياة الحيوان" (١/ ٣٧٤، ٥٠٥): "الخطّاف"، و"السّمان"، وهما طائران، وقال عن الثاني: "ويُسمَّى: قتيل الرعد، من أجل أنه إذا سمع صوت الرعد مات".
130

من هذيانها، والأرض من دويانها١، وما أكثر المستجيبين لهؤلاء، والقابلين منهم، والقائمين بدعوتهم، والمحامين عن حوزتهم، والمقاتلين تحت ألويتهم، والمُكَثِّرين لسوادهم عَددًا، وما أقلهم عند الله وأوليائه قدرًا٢.

ولعموم البلية بهم، وضرر القلوب بكلامهم، هتك الله أستارهم في كتابه غاية الهَتْك، وكشف أسرارهم غاية الكشف، وبَيَّن علاماتهم وأعمالهم وأقوالهم، ولم يزل ﷿ يقول: "ومنهم. . ."، "ومنهم. . ."، "ومنهم. . ." = حتى انكشف أمرهم، وبانت حقائقهم، وظهرت أسرارهم.

وقد ذكر الله ﷾ في أول سورة البقرة أوصاف المؤمنين والكفار والمنافقين، فذكر في أوصاف المؤمنين ثلاث آيات، وفي أوصاف الكفار آيتين، وفي أوصاف هؤلاء بضع عشرة آية؛ لعموم الابتلاء بهم، وشدة المصيبة بمخالطتهم، فإنهم من الجَلَدة٣ مظهرون

  1. (١) (ح) و(ت) و(ق): "دواوينها"، وهو محتملٌ؛ ليشمل كلامُه المسموع والمكتوب، فالمسموع مِلْء الأسماع، والمكتوب مِلْء الأرض.
    وفي "اللسان" (مادة: دوا): "والدَّوِيُّ: الصّوت، وقد دوّى الصوتُ يدوّي تدويةً، ودَوِيُّ الرّيح حفيفُها، وكذلك دويُّ النّحل". لكنْ لم أَجدْ هذا المصدر "دويانًا"، ولا أعلمه يصحُّ قياسًا.
  2. (٢) من قوله "عددًا" إلى هنا من (م) فقط.
  3. (٣) (م): "الجملة"، ولعلّها: "الجلادة"، فالجَلَدُ والجلادة: الصّلابة. ويمكن أن تُقرأ: "الجِلْدة"، أي: من بني جلدتنا.
131

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي