ونظيرُ هذين المَثَلَيْن المثلان المذكوران في سورة الرعد في قوله تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا﴾[الرعد: ١٧]١.
فهذا المثل هو المثل المائي، شبَّه سبحانه الوحي الذي أنزله بحياة القلوب، بالماء الذي أنزله من السماء، وشَبَّه القلوب الحاملة له بالأودية الحاملة للسيل.
فقلبٌ كبيرٌ يَسَعُ علمًا عظيمًا كوادٍ كبير يَسَعُ ماءً كثيرًا، وقلبٌ صغيرٌ كوادٍ صغيرٍ يَسَعُ علمًا قليلًا، فحَمَلَتِ القلوب من هذا العلم بقدرها، كما سالت الأودية بقدرها.
ولما كانت الأودية٢ ومجاري السيول فيها الغُثاء ونحوه مما يمرُّ عليه السيل، فيحتمله٣ السيلُ فيطفو على وجه الماء زبدًا عاليًا، يمرُّ عليه متراكبًا٤، ولكنّ تحته الماء الفرات الذي به حياة الأرض، فيقذف
(٤) (ت): "عليه الماء متراكبًا"، وفي (م) و(ق): "عاليًا عليه متراكبًا".
الوادي ذلك الغثاء إلى جَنَبَتَيْه حتى لا يبقى منه شيء، ويبقى الماء الذي تحت الغثاء يسقي الله تعالى به الأرض، فيُحْيِي به البلاد والعباد، والشجر والدواب، والغثاءُ يذهب جُفاءً يُجْفَى، ويُطْرَح على شفير الوادي.
فكذلك العلم والإيمان الذي أنزله من السماء١ في القلوبِ، فاحْتَمَلَتْهُ، فأثار منها بسبب مخالطته لها ما فيها من غثاء الشهوات وزبَدِ الشبهات الماطلة، فطفا في أعلاها، واستقرَّ العلم والإيمان والهدى٢ في جَذْرِ القلب، وهو أصله ومستقره، كما قال النبي ﷺ: "نزل الإيمان في جَذْرِ قلوب الرجال"٣. رواه البخاري من حديث حذيفة٤.
فلا يزال ذلك الغثاء والزَّبَدُ يذهب جفاءً، ويزول شيئًا فشيئًا، حتى يزول كله، ويبقى العلم النافع والإيمان الخالص في جَذْرِ القلب، يَرِدُه الناس، فيشربون ويسقون ويزرعون.
وفي "الصحيح" من حديث أبي موسى عن النبي ﷺ قال: "مَثَلُ ما بعَثَني الله تعالى به من الهدى والعلم، كَمَثَلِ غَيْثٍ أصاب أرضًا، فكان
(١) "من السماء" ساقط من (ح) و(ق).
(٢) "والهدى" من (ح) و(ق).
(٣) أخرجه البخاري (٦٤٩٧، ٧٠٨٦، ٧٢٧٦)، ومسلم (١٤٣). وهو عندهما جميعًا بلفظ: "الأمانة" بدل "الإيمان"، ولم أقف عليه باللفظ الذي ذكره المصنّف في شيء من كتب الحديث.
(٤) من قوله "وهو أصله" إلى هنا، ساقط من (ت) و(ح) و(ق).