الوابل الصيب

الوادي ذلك الغثاء إلى جَنَبَتَيْه حتى لا يبقى منه شيء، ويبقى الماء الذي تحت الغثاء يسقي الله تعالى به الأرض، فيُحْيِي به البلاد والعباد، والشجر والدواب، والغثاءُ يذهب جُفاءً يُجْفَى، ويُطْرَح على شفير الوادي.

فكذلك العلم والإيمان الذي أنزله من السماء١ في القلوبِ، فاحْتَمَلَتْهُ، فأثار منها بسبب مخالطته لها ما فيها من غثاء الشهوات وزبَدِ الشبهات الماطلة، فطفا في أعلاها، واستقرَّ العلم والإيمان والهدى٢ في جَذْرِ القلب، وهو أصله ومستقره، كما قال النبي ﷺ: "نزل الإيمان في جَذْرِ قلوب الرجال"٣. رواه البخاري من حديث حذيفة٤.

فلا يزال ذلك الغثاء والزَّبَدُ يذهب جفاءً، ويزول شيئًا فشيئًا، حتى يزول كله، ويبقى العلم النافع والإيمان الخالص في جَذْرِ القلب، يَرِدُه الناس، فيشربون ويسقون ويزرعون.

وفي "الصحيح" من حديث أبي موسى عن النبي ﷺ قال: "مَثَلُ ما بعَثَني الله تعالى به من الهدى والعلم، كَمَثَلِ غَيْثٍ أصاب أرضًا، فكان

  1. (١) "من السماء" ساقط من (ح) و(ق).
  2. (٢) "والهدى" من (ح) و(ق).
  3. (٣) أخرجه البخاري (٦٤٩٧، ٧٠٨٦، ٧٢٧٦)، ومسلم (١٤٣).
    وهو عندهما جميعًا بلفظ: "الأمانة" بدل "الإيمان"، ولم أقف عليه باللفظ الذي ذكره المصنّف في شيء من كتب الحديث.
  4. (٤) من قوله "وهو أصله" إلى هنا، ساقط من (ت) و(ح) و(ق).
134

منها طائفةٌ طيِّبَةٌ قَبِلَتِ الماء فأنْبَتَتِ الكَلأ والعُشْبَ الكثير، وكان منها طائفةٌ أجادِبُ أمْسَكَت الماءَ فَسَقى النَّاسُ وزَرَعُوا، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قِيعَانٌ، لا تُمْسِكُ مَاءً، ولا تُنْبِتُ كلأً، فذلك مَثَلُ من فَقُهَ في دين الله تعالى، ونفعه بما بعثني الله به، فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، ومَثَلُ من لم يرفع بذلك رأسًا، ولم يقبل هُدى اللهِ الذي أُرْسِلْتُ به"١.

فجعل النبيُّ ﷺ الناسَ بالنسبة إلى الهدى والعلم ثلاث طبقات٢:

الطبقة الأولى: ورثة الرسل وخلفاء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وهم الذين قاموا بالدين علمًا وعملًا ودعوةً٣ إلى الله ﷿ ورسوله ﷺ، فهؤلاء أتباع الرسول صلوات الله عليه وسلامه حقًّا، وهم بمنزلة الطائفة الطيبة من الأرض التي زَكَت، فقبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، فَزَكَتْ في نفسها، وزكا الناسُ بها.

وهؤلاء هم الذين جمعوا بين البصيرة في الدين والقوة على الدعوة، ولذلك كانوا٤ ورثة الأنبياء صلى الله عليهم وسلم الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾ [ص: ٤٥].

  1. (١) أخرجه البخاري (٧٩)، ومسلم (٢٢٨٢).
  2. (٢) انظر: "الرسالة التبوكية" (٦٤ - ٦٧)، و"طريق الهجرتين" (١٧٢ - ١٧٣)، و"اجتماع الجيوش الإسلامية" (٧٢)، و"مفتاح دار السعادة" (١/ ٢٤٦ - ٢٤٨) للمصنّف.
  3. (٣) (م): "ودعوا".
  4. (٤) (م): "وكذلك كان"، وفي (ق): "وكذلك كانوا".
135

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي